إرث "الكتلة الديمقراطية" في خدمة حكومة المنصوري
مقالات راي 16 أكتوبر 2026

إرث "الكتلة الديمقراطية" في خدمة حكومة المنصوري

بقلم: ameurayed

محمد احمد بنيس

ستتشكّل الحكومة المغربية المقبلة من أحزاب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدّر نتائج اقتراع 23 سبتمبر، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، في خطوة لا تخلو من دلالات سياسية. وعلى الرغم من أن عدد المقاعد التي فازت بها الأحزاب الأربعة لا يمنح حكومة فاطمة الزهراء المنصوري المرتقبة هامشَ مناورة مريحاً، فإنه يوفّر لـ"الأصالة والمعاصرة" غطاء وحصانة سياسيين، وهو الذي خرج من مختبر السلطة قبل سنوات وصفةً لمواجهة تمدّد الإسلام السياسي المغربي المعتدل، ممثلاً في "العدالة والتنمية"، قبل أن تهب رياح الربيع العربي وتخلط أوراقَ السياسة المغربية.

يمثل هذا "الائتلاف" إعادة اصطفاف دالة داخل الأحزاب القريبة من السلطة؛ فمن ناحية، يعكس استبعادُ حزب التجمّع الوطني للأحرار، الذي قاد حكومة 2021- 2026، من حسابات تشكيل حكومة المنصوري حرصَ رئيسة الحكومة المعينة وحزبِها على تجنّب الكلفة السياسية للتحالف مع حزبٍ، تراه أطياف واسعة من المغاربة مسؤولاً عن تردي أوضاعهم المعيشية والاجتماعية إبان الولاية الحكومية الفائتة، ما يعني أن التحالف معه يمثل عبئاً سياسياً ثقيلاً، لا سيما في ظل بوادر تشكّل معارضة قوية داخل البرلمان.

هذا إضافة إلى أن وجود "الأحرار" داخل حكومة المنصوري سيجعل الأخيرة أكثر ارتهاناً لأولويات حزب ليبرالي محافظ، لا تقع القضايا الاجتماعية الحيوية ضمن انشغالات قياداته ونخبه. وسيشكّل هذا عائقاً أمام "الأصالة والمعاصرة" الذي يُفترض أنه يطمح إلى توسيع قاعدته الاجتماعية داخل الطبقة الوسطى الحضرية، بدلاً من أن يبقى اسمه مقترناً بالتحالف التقليدي مع أعيان القرى والأرياف. وعليه، يتيح الاصطفاف الجديد لـ"لأصالة والمعاصرة" فرصة لإعادة جدولة السياسات العمومية وتوجيه أولوياتها بالحد من منسوبها الليبرالي، وتبنّي نموذج تنموي يستوعب التحديات التي يطرحها الاحتقان الاجتماعي الناجم عن التزايد المهول في الأسعار، وارتفاع معدّلات التضخم، وغياب آفاق إصلاح منظومتي التعليم والصحة، بما يُفضي إلى سحب البساط من تحت أقدام المعارضة (الإسلامية تحديداً)، التي تتطلع إلى جعل البرلمان حلبة لمعارضة "الأصالة والمعاصرة"، واستنزافه في السنوات الخمس المقبلة.

من ناحية أخرى، ينطوي وجود أحزاب الكتلة الثلاثة في الائتلاف الحكومي الجديد على رسالة سياسية مفادها أن الملف الاجتماعي الملتهب الذي أدارت حكومة عزيز أخنوش الظهر له، سيكون على طاولة الحكومة المقبلة، بوجود أحزاب ارتبط مسارها تاريخياً بمساعي بناء التجربة الديمقراطية المغربية، بما يعنيه هذا من شرعية تاريخية وسياسية، تبدو حكومة المنصوري في حاجة إلى استثمار إرثها. يُضاف إلى ذلك أن تحالف الأصالة والمعاصرة مع أحزاب الكتلة الثلاثة يعيد إلى الأذهان حكومة التناوب التي قادها الزعيم الاتحادي الراحل، عبد الرحمن اليوسفي ما بين 1998 و2002. والتي جاءت في سياق داخلي، اتّسم برغبة القصر والمعارضة (آنذاك) في تخطي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تنذر بـ"سكتة قلبية" بتعبير الملك الراحل الحسن الثاني. من ثمَّ، قد تُشكل عودة الأحزاب الثلاثة إلى تدبير الشأن العام، من بوابة حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، أفقاً لإنتاج مصالحة سياسية بين الجيل الجديد من الأحزاب الإدارية وأحزاب الحركة الوطنية، بعد المصالحة التي دشّنتها حكومة التناوب (1998) بمصالحة أحزاب الكتلة مع التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية.

يُتيح انضمام أحزاب الكتلة الديمقراطية الثلاثة لحكومة المنصوري فرصة للتخلص من الرواسب المقترنة بسياقات نشأته في حضن السلطة، وصعوده خلال ما يقرب من عقدين. وفي الوقت نفسه، يحرج ذلك حزبَ العدالة والتنمية الذي قد يجد نفسه معزولاً داخل البرلمان، من دون حلفاء من الكتلة أو اليسار الموحد، ما قد يحدّ من خطابه المعارض، خاصة أنه ليس في موقع يسمح له بالترافع عن المغاربة في الملف الاجتماعي، في ضوء حصيلة ولايتيْه الحكوميتين المعلومتيْن. وعليه، لا يمثل انضمام أحزاب الكتلة إلى الائتلاف الحكومي، الذي يُتوقع أن يُعلن عنه رسمياً في أي لحظة، مجرد تحالف لأجل تأمين الأغلبية العددية، بقدر ما هو خطوة نحو إعادة هيكلة الحقل الحزبي وتوزيع موارده بين مكونات الطبقة السياسية المغربية.

الراي اليوم

شارك هذا المقال:

إرث "الكتلة الديمقراطية" في خدمة حكومة المنصوري | أنساق