بين إشعال الموقد لإعداد وجبة ساخنة أو تشغيل التدفئة المركزية لدرء الصقيع القارس، يجد ملايين المواطنين في المملكة المتحدة أنفسهم محاصرين داخل معادلة قاسية باتت تُعرف في الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية بمعادلة «التدفئة أو الأكل»
لم تعد هذه العبارة مجرد شعار حقوقي أو عنوان عريض في الصحافة الاستقصائية، بل تحولت إلى واقع يومي مفروض على الأسر ذات الدخل المنخفض، حيث تجتمع فواتير الطاقة المرتفعة مع تآكل الدخول ورداءة البنية السكنية لتصنع أزمة إنسانية متصاعدة تُهدد الأرواح وتُثقل كاهل قطاع الرعاية الصحية.
خيارات البقاء القسرية
تعود جذور مصطلح «التدفئة أو الأكل» إلى تفاقم أزمة غلاء المعيشة في أعقاب صدمات الطاقة العالمية والتضخم الحاد، إلا أن استمراره يعكس خللاً هيكلياً عميقاً في شبكة الأمان الاجتماعي وسوق الإسكان البريطاني.
تُعرّف دراسات الفقر في المملكة المتحدة هذه الحالة بأنها اضطرار رب الأسرة للاختيار بين تلبية الاحتياجات التغذوية الأساسية أو الحفاظ على درجة حرارة تقي من الأمراض داخل المنزل. ووفقاً لتقارير نشرتها صحيفة «الغارديان» (The Guardian) بالاستناد إلى مسوح لمنظمات مجتمعية، فإن آلاف العائلات باتت تلجأ إلى إيقاف تشغيل عدادات الغاز والكهرباء مسبقة الدفع لأسابيع متتالية خلال أشهر الشتاء، مع تقليص الوجبات الغذائية اليومية إلى وجبة واحدة أو الاعتماد على معونات بنوك الطعام (Food Banks) مثل «تراسيل ترست» (Trussell Trust).
تُشير بيانات جمعية «ناشونال إنرجي أكشن» (National Energy Action - NEA)، المعنية بمكافحة فقر الوقود، إلى أن الأسر التي تنفق أكثر من 10% من دخلها الصافي على فواتير الطاقة دخلت رسمياً نطاق "فقر الوقود". ومع استمرار ارتفاع السقف السعري للطاقة الذي تحدده الهيئة التنظيمية «أوفجيم» (Ofgem)، تجد الأسر ذات الدخل المحدود نفسها عاجزة تماماً عن مجاراة الأسعار، مما يدفعها لقطع التدفئة بالكامل كخيار دفاعي أخير لتفادي تراكم الديون.
مساكن رطبة وعفن خانق
لا يتوقف قرار إغلاق أجهزة التدفئة عند الشعور بالبرودة الجسدية، بل يمتد ليدمر البيئة الداخلية للمساكن. تتميز نسبة كبيرة من العقارات السكنية القديمة ومساكن الإيجار الاجتماعي أو الخاص في بريطانيا بعزل حراري رديء وجدران تفتقر إلى الكفاءة الطاقية، مما يجعلها عرضة لتكاثف الرطوبة بمجرد هبوط درجات الحرارة وغياب التهوية الدافئة.
نقلت تحقيقات صحيفة «الإندبندنت» (The Independent) وشبكة «بي بي سي» (BBC) شهادات حية لمستأجرين يعيشون في غرف تنتشر على جدرانها وأسقفها بقع العفن الأسود (*Stachybotrys chartarum*). وتُظهر التقارير أن الأسر تضطر إلى تكديس الأطفال في غرفة واحدة، وإغلاق بقية أجزاء المنزل المظلمة والرطبة لتوفير الدفء المتبقي، وغالباً ما تتشبع الأفرشة والملابس بالرطوبة الدائمة.
تحذر الكليات الملكية لطب الأطفال وصحة المجتمع من التداعيات المباشرة لهذه البيئة، حيث يؤدي استنشاق أبواغ العفن والتعرض المستمر للهواء البارد إلى:
* تفاقم نوبات الربو الحادة والتهابات الشعب الهوائية المزمنة.
* إضعاف الجهاز المناعي لدى الرضع وكبار السن.
* زيادة مخاطر الإصابة بأمراض الحساسية والطفح الجلدي.
وقد أعادت هذه المأساة إلى الأذهان قضية الطفل "إيشاك روبنسون" (Awaab Ishak)، التي فجرت الرأي العام البريطاني بعد وفاته نتيجة التعرض المديد للعفن البيئي داخل مسكن اجتماعي في روتشديل، مما دفع البرلمان لاحقاً لإقرار قانون يلزم الملاك بمعالجة الرطوبة، إلا أن الأزمة المالية الحالية حالت دون قدرة العديد من السكان على تشغيل التدفئة اللازمة لجفاف الجدران حتى بعد الإصلاحات الطفيفة.
الحصيلة القاتلة لموجات البرد
تتحول البرودة الشديدة داخل المنازل من معاناة معيشية إلى عامل خطر مُميت. وتجسد هذا الخطر بصورة صادمة خلال مطلع عام 2025، عندما ضربت إنجلترا موجة صقيع قارس استمرت لعدة أيام.
وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية (ONS) ووكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة (UKHSA)، ونقلتها التغطيات الإخبارية لصحيفة «التايمز» (The Times) وصحيفة «الغارديان»:
ارتبط انخفاض درجات الحرارة خلال 6 أيام فقط من شهر يناير 2025 بوفاة نحو 1,630 شخصاً في إنجلترا.
تعكس هذه الحصيلة ظاهرة "الوفيات الشتوية الزائدة" (Excess Winter Deaths). وأوضح خبراء الصحة العامة أن الأغلبية الساحقة من هذه الوفيات لم تحدث في الشوارع جراء التجمد المباشر، بل وقعت داخل منازل باردة وغير ملائمة صحياً، حيث كان الضحايا غالباً من كبار السن، وذوي الإعاقة، والمصابين بأمراض مزمنة.
البرد داخل المنازل
توضح التقارير الطبية المرافقة للإحصاءات الرسمية أن انخفاض حرارة المسكن إلى ما دون 18 درجة مئوية يؤدي إلى:
1. ارتفاع ضغط الدم وزيادة لزوجته: استجابة للأوعية الدموية المتقلصة في محاولة للاحتفاظ بالحرارة، مما يضاعف احتمالات حدوث السكتات الدماغية والجلطات القلبية.
2. الانهيار الرئوي السريع: تشنج المسالك الهوائية والتهابات الجهاز التنفسي الحادة (مثل الالتهاب الرئوي).
3. انخفاض حرارة الجسم غير الملحوظ: تدهور وعي المريض وقدرته على طلب المساعدة، لاسيما لدى المسنين الذين يعيشون بمفردهم.
الضغط المالي على (NHS)
لا تمثل هذه المأساة أزمة اجتماعية فحسب، بل تُشكل عبئاً اقتصادياً واستشفائياً بالغاً. يُكلف علاج الأمراض الناتجة عن السكن البارد والرطب هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) أكثر من مليار جنيه إسترليني سنوياً، وفقاً لتقديرات معهد التحالف من أجل الصحة السكنية (BRE Group).
تجد المستشفيات وأقسام الطوارئ نفسها أمام تدفق متزايد للمرضى الذين تتدهور حالتهم بمجرد حلول الشتاء، وما إن يتلقوا العلاج ويغادروا المستشفى، حتى يعودوا مجدداً بعد أيام قليلة إلى ذات المساكن الباردة الموبوءة بالعفن، في حلقة مفرغة تستنزف الأسرة والموارد الطبية الشحيحة.
المطالبات المجتمعية
أمام تصاعد الأرقام والتقارير الصحفية الاستقصائية، تواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً متزايدة من أحزاب المعارضة والنقابات العمالية والمنظمات غير الحكومية. وتتركز المطالبات الحقوقية على عدة محاور رئيسية:
*إعادة النظر في معايير دعم الوقود الشتوي (Winter Fuel Payment): توسيع نطاق المستحقين ليشمل ذوي الدخل المنخفض الذين يقعون خارج برامج المساعدات المباشرة.
*إقرار "تعريفة اجتماعية" للطاقة (Social Tariff): فرض أسعار مخفضة مخصصة للفئات الأشد ضعفاً والأسر التي تعول أطفالاً في سن مبكرة أو أفراداً يعانون من أمراض مزمنة.
*تسريع وتيرة العزل الحراري للمنازل: إطلاق برنامج وطني ممول لتحديث أنظمة العزل وتبديل النوافذ المتهالكة في المساكن الاجتماعية والخاصة، بوصفه الحل الجذري الأقل كلفة على المدى الطويل.
*تمكين الهيئات المحلية من الرقابة والتفتيش: محاسبة الملاك الذين يتقاعسون عن علاج الرطوبة الإنشائية والعفن في العقارات المؤجرة.
تظل معادلة «التدفئة أو الأكل» دليلاً حياً على أن الفقر في القرن الحادي والعشرين داخل الاقتصادات المتقدمة لم يعد يقتصر على غياب المأوى، بل يتجلى في قسوة العيش داخل مأوى يفتقر إلى أبسط مقومات الكرامة الإنسانية والسلامة الصحية.

