يبدو أنني كنت ظالمًا للرئيس قيس سعيّد. كنت أظن، مثل كثير من التونسيين، أن «البناء الشاهق» يحتاج إلى إسمنت وحديد وآلات رفع ومهندسين وعمال ومشاريع وفلوس، وأنه، في نهاية المطاف، شيء يمكن رؤيته بالعين المجردة. لكنني اكتشفت أنني كنت أسيرًا للتصورات القديمة للبناء. في تونس الجديدة، البناء الشاهق لا يحتاج إلى كل هذه الأشياء. يكفي أن يتحدث عنه الرئيس. فبمجرد أن تُقال العبارة، يبدأ البناء. طابق أول في الخطاب. ثم طابق ثانٍ. ثم ثالث. ثم يرتفع البناء حتى يبلغ السحاب. أما على الأرض، فلا داعي للتسرع. هناك مسبح البلفيدير. وهناك ساحة برشلونة. وهما، حتى لا نكون جاحدين، إنجازان لا ينبغي الاستهانة بهما. ففي زمن عجزت فيه البلاد عن أن تقدم لمواطنيها ما يكفي من أسباب الفرح، صار من الممكن أن نحتفل بإصلاح مسبح وتهيئة ساحة. وهذا ليس قليلًا. بل ربما يكون هو بالضبط معنى «السعادة الخام». تخيلوا مواطنًا تونسيًا يخرج من بيت لم يعد يعرف كيف يدفع كلفته، يركب وسائل نقل تزداد بؤسًا، يمر أمام مؤسسات عمومية تتآكل، ويواجه بطالة أو تضخمًا أو انقطاع ماء أو كهرباء، ثم يصل إلى ساحة برشلونة. هناك يستطيع أن يتأمل التهيئة. وإذا كان محظوظًا، يستطيع أيضًا أن يتأمل مسبح البلفيدير. وهكذا تكتمل الحلقة. الدولة لم تستطع أن تعطيه حياة أجمل، لكنها أعطته فرصة أن يرى مكانًا أجمل. وهذا تقدم. لا تكونوا سلبيين. ثم إن علينا أن نكون منصفين للرئيس. الرئيس يتحدث باستمرار عن البناء. والرئيس لا يكذب في هذه النقطة. إنه بالفعل يبني. يبني خطابًا ضخمًا. يبني مفردات عملاقة. يبني الجمهورية الجديدة. يبني السيادة. يبني الإرادة الشعبية. يبني المستقبل. ويبني، فوق كل ذلك، البناء الشاهق. المشكلة الوحيدة أن المواطن، كلما حاول أن يرى أين يقع هذا البناء، وجد نفسه ينظر إلى الأعلى طويلًا، ثم إلى الأسفل، ثم إلى محفظته، ثم إلى فاتورة الكهرباء، ثم إلى الحنفية، ثم إلى الثلاجة، ثم إلى ابنه العاطل. وفي النهاية يقول: «يمكن البناء بعيد شوية.» وهنا بالضبط تظهر عبقرية المشروع. لقد انتقلنا من البناء العمراني إلى البناء البلاغي. وفي البناء البلاغي لا تحتاج إلى مقاول. ولا إلى دراسة جدوى. ولا إلى تمويل. ولا إلى آجال إنجاز. ولا إلى حجر أساس. ولا حتى إلى مشروع. يكفي أن تكون لديك عبارة جيدة. والرئيس، في هذا المجال، مقاول من الطراز الأول. يبني بالجملة. ويشيد بالكلمات. ويرفع الطوابق بالصوت. حتى أصبح لدينا في تونس بناء شاهق لا ظل له، ولا مدخل، ولا مخرج، ولا سكان. لكنه موجود. فالرئيس قال إنه موجود. وهذا يكفي، في الجمهورية الجديدة، لكي يصبح إنكار وجوده نوعًا من التشكيك في الثوابت الوطنية. لكن لا بأس. دعونا نترك البناء الشاهق جانبًا للحظة ونتحدث عن الإنجاز الآخر الأكثر إثارة: السعادة الخام. وهنا أيضًا علينا أن نعترف بأننا لم نفهم الرئيس جيدًا. لقد كنا نعتقد أن السعادة هي أن يعيش الإنسان حياة كريمة. أن يجد شغلًا. أن يستطيع شراء الطعام. أن يطمئن على أبنائه. أن يجد علاجًا محترمًا. أن يشعر بأن الغد أفضل من اليوم. لكن يبدو أن هذا تعريف قديم للسعادة. السعادة الجديدة أكثر بساطة. إنها أن تكون قادرًا على احتمال كل هذا دون أن تنهار. وهذه هي السعادة الخام. سعادة لم تدخل بعد إلى مصنع التكرير. سعادة مباشرة من المصدر. خام. طبيعية. محلية. ومتوفرة بكميات كبيرة. الدليل؟ مستشفى الرازي. هنا فقط نفهم أن هناك قطاعًا في تونس يسجل نموًا يستحق الاحتفال. كلما ضاقت الحياة، اتسعت الحاجة إلى العلاج النفسي. كلما انسدت الآفاق، ازداد القلق. كلما أثقلت الأزمات المواطن، احتاج أكثر إلى المهدئات. وكلما تحدثنا عن النجاح، احتاج البعض إلى جرعة إضافية من التفاؤل. لا نريد أن نكون جاحدين. حتى الأمراض النفسية يمكن أن تتحول إلى مؤشر على التنمية. فهي تعني أن هناك مواطنين ما زالوا يتفاعلون مع الواقع. وهذه علامة حياة. أما أولئك الذين فقدوا القدرة حتى على التفاعل، فهذه قصة أخرى. والأجمل أن الدولة تستطيع أن تقدم لك الوصفة كاملة: تعيش في أزمة، ثم تعاني من آثار الأزمة، ثم تذهب إلى مؤسسة عمومية للعلاج من آثار الأزمة، ثم تسمع خطابًا رسميًا يخبرك أن الجمهورية تبني مستقبلك. إنها منظومة متكاملة. بناء شاهق من الأعلى. وسعادة خام من الأسفل. وبينهما المواطن. لا هو قادر على الصعود إلى البناء، ولا هو قادر على استخراج السعادة من خامها. لكن لا تقلقوا. المشروع مستمر. فقد نكون مقبلين على مرحلة جديدة من البناء الشاهق. ربما سنصل يومًا إلى إصلاح كرسي في حديقة. ثم تهيئة نافورة. ثم طلاء جدار. ثم نحتفل بكل ذلك بوصفه تحولًا حضاريًا. وإذا أحسنّا تسويق الإنجاز، فقد نكتشف أن إصلاح نافورة يمكن أن يصبح «مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا لإعادة بناء الإنسان». أما إذا تم تمويله من رجل أعمال، فسيكون ذلك دليلًا إضافيًا على عبقرية النموذج الاقتصادي الجديد. لا أحد يعرف كيف يعمل. لكن المهم أنه يعمل. والأهم أن الكلام عنه يعمل أكثر. وهكذا، شيئًا فشيئًا، تصبح لدينا دولة عظيمة في اللغة، عملاقة في الخطاب، شاهقة في المفردات. دولة تستطيع أن تقول «البناء الشاهق» في بلد يبحث فيه المواطن عن سقف. وتستطيع أن تتحدث عن «السعادة» في بلد يبحث فيه الناس عن أسباب بسيطة كي لا يحزنوا. وهذا ليس تناقضًا. هذا هو المشروع نفسه. فربما لم يعد المطلوب أن نبني البلاد. ربما المطلوب أن نبني فكرة البلاد. ولأن الفكرة لا تحتاج إلى إسمنت، فقد تكون أرخص كثيرًا. أما المواطن، فلا بأس عليه. يمكنه أن ينتظر. أن يصبر. أن يتفاءل. أن يرفع رأسه إلى الأعلى. فوقه مباشرة يوجد البناء الشاهق. لا تراه؟ لا مشكلة. الرئيس يراه. وفوقه، في مكان أعلى قليلًا، توجد السعادة الخام. لا تراها أيضًا؟ لا مشكلة. الرئيس يعرف طريقها. أما نحن، فلدينا مسبح البلفيدير وساحة برشلونة. فلنفرح إذن. ولنرفع المعنويات. ففي بلد لا تكاد ترتفع فيه الأبنية، ارتفع الخطاب. وفي بلد تتراجع فيه السعادة، ارتفعت العبارة. وفي بلد يبحث مواطنوه عن الإنجاز، وجدوا أخيرًا إنجازًا لا يحتاج إلى افتتاح: البناء الشاهق. أطول بناء أنجزناه حتى الآن. لأنه بُني بالكلمات. ولأن الكلمات، لحسن الحظ، لا تحتاج إلى ميزانية. أما السعادة… فلا تسألوا عنها كثيرًا. لقد وصلتكم خامًا. عامر عياد

مقالات راي 15 أوت 2026
البناء الشاهق والسعادة الخام
بقلم: ameurayedشارك هذا المقال:
