التحالف الثلاثي: كيف يتحول النظام الأمني الجديد الى خروج عن هندسة واشنطن
مقالات راي 11 أوت 2026

التحالف الثلاثي: كيف يتحول النظام الأمني الجديد الى خروج عن هندسة واشنطن

بقلم: ameurayed

؟

في المقال السابق، حاولنا قراءة اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، وطرحنا سؤالاً حول علاقته بالتصور الأمريكي لنظام أمني إقليمي جديد، وبالمشروع الإسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة.

لكن التطورات اللاحقة تجعل السؤال أكثر تعقيداً. فإذا كانت الولايات المتحدة قد شجعت، منذ سنوات، انتقال حلفائها من الاعتماد على التدخل العسكري الأمريكي المباشر إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم الإقليمي، وإذا كانت واشنطن تريد تقاسم أعباء الأمن بدلاً من تحملها منفردة، فهل ما نشهده اليوم هو بالضبط ما أرادته الولايات المتحدة ؟ أم أن القوى الإقليمية بدأت تستخدم هذا الهامش لبناء منظومة أمنية قد تصبح، تدريجياً، أكثر استقلالية عن واشنطن ؟

- من تقاسم الأعباء إلى تقاسم النفوذ:
كما أشرنا سابقا، لا تبدو فكرة تحميل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمن المنطقة جديدة في الاستراتيجية الأمريكية. فقد راكمت واشنطن خلال العقد الأخير سياسات تدفع نحو بناء القدرات المحلية، وتطوير الشراكات الأمنية، وربط الحلفاء بشبكات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية، مع تقليل الحاجة إلى الانتشار العسكري الأمريكي المباشر.
لكن هناك فارقاً جوهرياً بين أن تتولى القوى الإقليمية تنفيذ استراتيجية أمنية أمريكية، وبين أن تبدأ في إنتاج استراتيجية أمنية خاصة بها. وهذا الفارق هو الذي يجعل اتفاق مكة مهماً.

فالولايات المتحدة لم تتخل عن موقعها في المنطقة. اذ ما زالت تمتلك القواعد العسكرية، والتفوق التكنولوجي، وشبكات الاستخبارات، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والقدرة البحرية، والأهم شبكة العلاقات الأمنية التي بنتها طوال عقود.
ففي شهر ماي 2025، وقعت واشنطن والرياض اتفاقات دفاعية ضخمة، تضمنت التزاماً سعودياً بشراء منظومات دفاعية أمريكية بقيمة تصل إلى نحو 142 مليار دولار، بما يؤكد أن العلاقة الأمنية بين البلدين لم تنهَر ولم تتغير. لكن السعودية، في الوقت نفسه، بدأت تبني طبقة أخرى من الأمن، لا تعتمد حصراً على واشنطن. من هنا يصبح اتفاقها مع باكستان، ثم توسع الإطار ليضم تركيا، أكثر من مجرد اتفاق عسكري. إنه محاولة لبناء تعدد في مصادر الردع.

- السعودية: قطيعة مع واشنطن أم تحوط استراتيجي ؟
ربما يكون من الخطأ تفسير التحول السعودي باعتباره رفضاً للتحالف مع الولايات المتحدة. الأدق أن الرياض تريد تقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد للأمن. فالحرب مع إيران كشفت، من وجهة نظر دول الخليج، مفارقة أساسية: الولايات المتحدة قادرة على إحداث تغيير هائل في ميزان القوى، لكنها ليست مستعدة بالضرورة لخوض كل حرب نيابة عن حلفائها، كما أن أهدافها السياسية قد تتغير تبعاً لحساباتها الخاصة.
وقد أشار تحليل لـCSIS إلى أن الحرب كشفت هشاشة بعض افتراضات الشراكة الأمنية الأمريكية–السعودية، وطرحت مجدداً سؤال مدى قدرة الحلفاء على الاعتماد على واشنطن وحدها في لحظات الخطر. وهنا يصبح مفهوم التحوط الاستراتيجي أكثر ملاءمة من مفهوم الابتعاد عن أمريكا.
فالسعودية لا تقول نريد بديلاً عن الولايات المتحدة، بل تقول، عملياً، نريد ألا يكون أمننا رهينة لقرار أمريكي واحد. وهذا فرق كبير.

- باكستان: توسع منظومة ردع استراتيجي..
قيمة باكستان في المعادلة ليست فقط في حجم قواتها أو خبرتها العسكرية، وإنما في كونها دولة نووية. وهذا يمنح الاتفاق بعداً استراتيجياً يتجاوز التعاون التقليدي في التدريب والتسليح. صحيح أن الاتفاق لا ينص علناً على وضع مظلة نووية باكستانية فوق السعودية، ولا توجد آلية معلنة تجعل الردع النووي الباكستاني جزءاً من الالتزام الجماعي. لذلك حذر CSIS من المبالغة في تفسير الاتفاق باعتباره ترتيبات نووية، مؤكداً أن النص الحالي لا يؤسس لردع نووي ممتد. لكن السياسة الدولية لا تُبنى دائماً على ما تنص عليه الوثائق وحدها. فأحياناً تكون القدرة الكامنة في الخلفية جزءاً من حسابات الردع. ولهذا تكتسب العلاقة السعودية–الباكستانية حساسية خاصة بالنسبة لاسرائيل وللولايات المتحدة، لأن أي تطور مستقبلي في الصلة بين الأمن السعودي والقدرات الباكستانية يمكن أن يؤثر في حسابات الانتشار النووي في الشرق الأوسط.

- تركيا: المتغير الأساسي في المعادلة..
إذا كان الاتفاق السعودي–الباكستاني قد فتح الباب أمام مظلة ردع جديدة، فإن مشاركة تركيا في هذا التحالف، نقل المشروع إلى مستوى مختلف. فتركيا ليست مجرد قوة إقليمية؛ فهي عضو في الناتو، وتمتلك قاعدة صناعية عسكرية متطورة، وشبكة علاقات أمنية واسعة، وتجربة عملياتية ممتدة من سوريا والعراق إلى ليبيا والقوقاز.
وبذلك يجمع التحالف بين ثلاثة عناصر مختلفة: السعودية بثقلها العربي الاسلامي والمالي والموقع الجغرافي. وتركيا بقوتها العسكرية والتكنولوجية والصناعية والدفاعية. وباكستان بخبرتها العسكرية وقدراتها النووية وامتدادها نحو جنوب آسيا.

هذه التركيبة تجعل الاتفاق أكثر أهمية من مجموع أجزائه. فهو لا ينشئ فقط تعاوناً عسكرياً بين ثلاث دول، وإنما يربط الخليج بشرق المتوسط وجنوب آسيا في إطار أمني واحد.

- تحالف ضد من ؟
من المهم هنا ألا نقع في القراءة السهلة التي تختزل الاتفاق في محور إقليمي ضد إيران، فأنقرة حرصت على نفي ذلك بوضوح. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد أن الاتفاق الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان لا يستهدف إيران أو أي دولة بعينها، وأن هدفه هو تعزيز القدرات الدفاعية والتنسيق الأمني بين الدول الثلاث. كما أكد أن الاتفاق لا يغلق الباب أمام انضمام دول أخرى، وتحدث تحديداً عن إمكانية انضمام مصر في مرحلة لاحقة.
وهذا الموقف التركي له دلالة خاصة. فتركيا دولة تربطها بإيران حدود جغرافية وعلاقات اقتصادية وأمنية وسياسية معقدة، وامتدادات اثنية ومذهبية عريقة، ولا يبدو أنها مستعدة بخسران كل تلك المصالح مقابل أي اتفاق عسكري أو سياسي، يمكن أن يورطها في سياسة المحاور.

لكن الأكثر دلالة أن الموقف التركي التقى، بصورة لافتة، مع القراءة الإيرانية. فالمتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي لم يعتبر الاتفاق تهديداً موجهاً لبلاده، وقال إن الدول الثلاث تربطها بإيران روابط دينية وتاريخية وحضارية عميقة، وإنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق من أن تكون الاتفاقية موجهة ضد إيران.
بل ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الاتفاق يعكس قناعة متزايدة لدى دول المنطقة بأنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة وبعض الأطراف من خارج المنطقة لتوفير أمنها.
تركيا تقول اذن ان الاتفاق ليس ضد إيران.
وإيران تجيب بأن الاتفاق لا يدعو إلى القلق، وقد يعكس رغبة إقليمية في تقليل الاعتماد على القوى الخارجية.

لا يعني ذلك أن إيران غائبة عن الحسابات الاستراتيجية للتحالف. فالسعودية وتركيا وباكستان لديها، بدرجات مختلفة، مصالح ومخاوف مرتبطة بإيران.
لكن الفرق كبير بين تحالف موجه ضد إيران وبين تحالف يبني قدرة ردع مستقلة في بيئة توجد فيها إيران كقوة إقليمية رئيسية. الأول يقوم على تعريف العدو، أما الثاني فيقوم على بناء القدرات.

وهنا تبدأ المفارقة الأمريكية، فإذا كان التصور الأمريكي يقوم على أن تتولى القوى الإقليمية مسؤولية أكبر عن أمن المنطقة، فإن واشنطن يمكن أن ترحب مبدئياً بهذا الاتجاه.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه القوى قادرة على تحديد قواعد الأمن الإقليمي بصورة مستقلة.
لا توجد حتى الآن مؤشرات علنية على أن واشنطن قررت مواجهة الاتفاق أو منعه. وهذا مفهوم؛ فالسعودية وتركيا وباكستان ليست دولاً معادية للولايات المتحدة، بل حليفة لها.
لكن غياب الاعتراض الأمريكي لا يعني بالضرورة أن واشنطن تنظر إلى المشروع باعتباره محايداً.

فمنذ الاتفاق السعودي–الباكستاني، ناقشت مراكز الدراسات الأمريكية احتمال تحوله إلى نموذج أوسع للأمن الإقليمي، وربطت ذلك برغبة الرياض في تنويع شراكاتها الأمنية وتقليل الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة. ومن هنا يمكن فهم الموقف الأمريكي المحتمل:
قد تقبل واشنطن بتحالف إقليمي يرفع قدرة الردع ويخفف أعباء التدخل الأمريكي، لكنها لن تكون مرتاحة إذا تحول هذا التحالف إلى منظومة مستقلة تنافس نفوذها أو تنتج قواعد أمنية خارج تأثيرها.
وهنا ينتقل الأمر من تقاسم الأعباء إلى تقاسم النفوذ.

- إسرائيل: المشكلة أكثر تعقيداً..
إذا كانت واشنطن قادرة على استيعاب تعدد الشركاء، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام معادلة أكثر صعوبة.
فالمشروع الإسرائيلي لـ«الشرق الأوسط الجديد» يقوم، في أحد أبعاده، على تحويل التفوق الإسرائيلي إلى عنصر مركزي في النظام الأمني الإقليمي.
لكن ظهور تحالفات إقليمية قادرة على إنتاج قدر من الردع الذاتي يعني أن إسرائيل قد لا تستطيع أن تتحول بسهولة إلى القطب الأمني الوحيد في المنطقة.
قد يكون وجود منظومة إقليمية قوية مفيداً لإسرائيل في مواجهة إيران والفواعل المسلحة، لكنه يصبح مشكلة إذا تحولت هذه المنظومة إلى قوة قادرة على إنتاج توازن مع إسرائيل نفسها.
فقد ترحب إسرائيل بمنظومة إقليمية تضبط إيران، لكنها لن تكون بالضرورة مرتاحة لمنظومة إقليمية تستطيع ضبط إسرائيل أيضاً.
وهنا يكمن أحد أهم تناقضات النظام الجديد.

- ماذا عن مصر؟
ربما يكون السؤال الأكثر غموضا الآن هو لماذا لم تدخل مصر في الاتفاق منذ البداية ؟
المفارقة أن مصر كانت جزءاً من الإطار الرباعي الذي جمعها بالسعودية وتركيا وباكستان منذ مارس 2026. وقد تحدث IISS في ماي عن تشكل «رباعية شرق أوسطية جديدة» تضم الدول الأربع، ورأى فيها صيغة محتملة للتنسيق بين القوى الكبرى في المنطقة، وإن لم يكن متوقعاً آنذاك أن تتحول سريعاً إلى حلف دفاعي ملزم. وهذا ما يجعل عدم التحاق مصر بالاتفاق الثلاثي مبهما.
فمصر تملك موقعاً استراتيجياً مهما، بين المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، إضافة إلى ثقلها العربي وحدودها المباشرة مع غزة وليبيا والسودان.
لكن القاهرة تدرك أيضاً أن الالتزام الدفاعي التلقائي قد يجرها إلى صراعات لا تتطابق بالضرورة مع أولويات أمنها القومي. ومن ثم، قد يكون الخيار المصري هو الاحتفاظ بموقع القوة الرابعة من دون الالتزام منذ البداية بالصيغة العسكرية الأكثر صرامة.

- مصر هي أول اختبار حقيقي..
إذا بقي الاتفاق ثلاثياً، فسوف يظل مهماً، لكنه سيبقى أقرب إلى ترتيبات ردع إقليمية محدودة. أما إذا انضمت مصر لاحقاً، فإن المعادلة ستتغير جذرياً. عندها يصبح لدينا تركيا في شرق المتوسط، ومصر في شمال أفريقيا والبحر الأحمر، والسعودية في الخليج والجزيرة العربية، وباكستان في جنوب آسيا وبحر العرب.
أي سيمتد الفضاء الأمني الاقليمي الرباعي من المتوسط إلى المحيط الهندي.
وهذا سيتحول حتما الى نواة نظام أمني إقليمي متعدد المراكز، لا تكون فيه الولايات المتحدة صاحبة القرار الأمني الوحيد..

- الحرب مع إيران: لحظة الكشف
ما يلفت الانتباه أن الاتفاق لم يظهر في فراغ. فالحرب الأمريكية–الإيرانية كشفت هشاشة أخرى في النظام القديم. فالدول الإقليمية لم تعد تريد أن تكون مجرد ساحات تتقرر فيها الحروب، ولا تريد أن تنتظر دائماً ما ستقرره واشنطن.
كما كشفت الحرب صعوبة الموازنة بين المصالح المتداخلة. فباكستان، مثلاً، وجدت نفسها أمام ضرورة حماية علاقتها بالسعودية مع الحفاظ في الوقت نفسه على حساسيات علاقتها بإيران، بينما أظهر الموقف المصري حدود استعداد القاهرة للدخول في حروب لا تتصل مباشرة بأولوياتها الأمنية.
فالنظام الجديد لن يتأسس فقط على القوة العسكرية، بل على إعادة تعريف مفهوم الاستقلال الاستراتيجي.
فالدول تريد حماية أمريكية عندما تحتاج إليها، لكنها تريد في الوقت نفسه القدرة على التصرف عندما تختلف حساباتها عن حسابات واشنطن. وهذا هو جوهر التحول.

هل نحن أمام تحوّل من نظام أمني واستراتيجي تقوده واشنطن إلى نظام تديره قوى إقليمية متحالفة ؟

ربما نكون أمام مرحلة انتقالية بين نموذجين.
النموذج القديم: واشنطن تضمن الأمن، وإسرائيل تتمتع بالتفوق، والقوى العربية تتلقى الحماية.

ونموذج الناشئ: واشنطن تبقى القوة الخارجية الأكبر، لكن القوى الإقليمية تبدأ بإنتاج قدراتها وتحالفاتها الخاصة، وإسرائيل تصبح قوة رئيسية داخل النظام، لا بالضرورة القوة التي تحدد وحدها قواعده.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن يكون الاتفاق الثلاثي، في الوقت نفسه، منسجماً مع جزء من التصور الأمريكي ومختلفاً عن نتائجه المتوقعة.
فالولايات المتحدة تريد تقاسم الأعباء. لكن القوى الإقليمية قد تستخدم المطلب الأمريكي للوصول إلى تقاسم القرار.
وهنا يتحول المشروع من مجرد إعادة توزيع للمهام إلى إعادة توزيع للنفوذ.

- القضية الفلسطينية: العقدة التي لا يمكن تجاوزها..
يبقى هناك متغير قادر على تعطيل كل هذه الحسابات، وهو فلسطين.
فمن الصعب بناء نظام أمني إقليمي مستقر يضم السعودية وتركيا ومصر، بينما تبقى القضية الفلسطينية خارج التسوية.
قد تستطيع هذه الدول التعاون في مكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة، وحماية الطاقة، والدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، وربما حتى مواجهة إيران.
لكن تحويل إسرائيل إلى مكوّن طبيعي في منظومة أمنية إقليمية يحتاج إلى شيء آخر متمثلا في الشرعية السياسية. وهذه الشرعية لا يمكن إنتاجها عسكرياً فقط.
لذلك فإن «السلام بالقوة» الذي تحاول اسرائيل فرضه على المنطقة، قد ينجح في فرض وقائع جديدة، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج نظام إقليمي مستقر.
فالهيمنة العسكرية قد تستطيع أن تمنع خصماً من تغيير الحدود. لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تجعل الخصوم يقبلون بالنظام الجديد باعتباره نظاماً شرعياً.

- إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟
خذا التحالف الثلاثي ليس نهاية الطريق، وربما لا يكون حتى شكله النهائي. بل هو أقرب للاختبار. اختبار لقدرة السعودية على بناء ردع متعدد المصادر. واختبار لقدرة تركيا على الانتقال من قوة إقليمية إلى أحد مهندسي النظام الأمني. واختبار لمدى استعداد باكستان لتوسيع مجال نفوذها الاستراتيجي خارج جنوب آسيا. واختبار لمصر، هل تكتفي بدور القوة الرابعة خارج الالتزام العسكري، أم تدخل لاحقاً في هندسة النظام الجديد ؟
واختبار للولايات المتحدة، هل تقبل بنظام إقليمي أكثر استقلالاً، أم تحاول إعادة ضبطه عندما يبدأ بالابتعاد عن قواعدها ؟
واختبار لإسرائيل، هل تستطيع أن تكون القوة الأكثر تفوقاً داخل نظام متعدد الأقطاب، أم ستسعى إلى منع ظهور توازنات إقليمية قادرة على الحد من هامش تفوقها ؟

لهذا، فإن اتفاق مكة قد يكون مهماً ليس لأنه أنشأ «ناتو إسلامياً»، وإنما لأنه كشف شيئاً أعمق. فالشرق الأوسط بدأ ينتقل من مرحلة البحث عمن يحميه إلى مرحلة البحث عمن يملك حق تحديد قواعد أمنه. وهذه هي المعركة الحقيقية.

فإذا نجحت واشنطن في إبقاء هذه التحالفات داخل منظومتها، فسيكون ما نشهده مجرد إعادة توزيع للأعباء داخل النظام الأمريكي. أما إذا استطاعت القوى الإقليمية تحويل التعاون العسكري إلى استقلال في القرار، وربطت الأمن بالتجارة والطاقة والممرات البحرية والصناعة الدفاعية، فإننا سنكون أمام شيء مختلف تماماً: نظام إقليمي متعدد المراكز، تحتفظ فيه الولايات المتحدة بدور القوة الخارجية الأهم، لكن من دون احتكارها لقواعد اللعبة.
وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال بعد سنوات: هل نجحت الولايات المتحدة في بناء نظام أمني جديد للشرق الأوسط ؟
بل هل نجحت القوى الإقليمية في استخدام هذا النظام لبناء شرق أوسط لا يُدار بالكامل من خارجه ؟

رياض الشعيبي

شارك هذا المقال:

التحالف الثلاثي: كيف يتحول النظام الأمني الجديد الى خروج عن هندسة واشنطن | أنساق