لماذا تنهض أمة، بينما تظل أمة أخرى حبيسة المكان، رغم ما تملكه من موارد وكفاءات؟ ولماذا تتحول فكرة في مرحلة من التاريخ إلى قوة تبني الحضارة، ثم تفقد في مرحلة أخرى قدرتها على تحريك الإنسان، فتبقى مجرد ألفاظ تتردد على الألسنة؟
كثيرًا ما تناول مالك بن نبي هذه الأسئلة من خلال مفاهيم أصبحت معروفة في مشروعه الحضاري، مثل الفكرة الدينية، والقابلية للاستعمار، والفعالية، وشبكة العلاقات الاجتماعية. غير أن القراءة المتأنية تكشف عن مفهوم آخر لا يقل أهمية، وإن لم يحظ بما يستحقه من الدراسة، وهو مفهوم التوتر.
ولا نقصد بالتوتر ذلك الاضطراب النفسي أو القلق المرضي، وإنما تلك الحالة الداخلية التي تستجيب فيها النفس لفكرة عليا، فتتحول إلى قوة دافعة تحرك الإرادة وتعيد توجيه السلوك. فالفكرة، في ذاتها، لا تصنع التاريخ؛ وإنما تصنعه عندما تصبح طاقة حية في ضمير الإنسان.
في محاضرته «المسوغات في المجتمع»، التي نشرها لاحقا في كتاب «تأملات»، يقدم مالك بن نبي مفتاحا بالغ الأهمية لفهم هذه العملية. فهو لا يبدأ بالحديث عن الاقتصاد أو السياسة، بل يطرح سؤالًا آخر: لماذا تختلف المجتمعات في فاعليتها؟
ثم يقرر أن كل نشاط اجتماعي يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: اليد، والقلب، والعقل، ويقول:
«كل طاقة اجتماعية تصدر حتماً من دوافع القلب، ومن مسوغات وتوجيهات العقل، ومن حركات الأعضاء... والفاعلية تكون أقوى في الوسط الذي ينتج أقوى الدوافع، وأقوم التوجيهات، وأنشط الحركات.»
غير أن هذه العناصر لا تعمل تلقائيًا، بل تحتاج إلى ما يوقظها ويجمعها في اتجاه واحد. وهنا يصل بن نبي إلى مفهوم التوتر، فيقول:
«يمكن لنا أن نقف على عنصر جديد... وهو أن نرد المسوغات والدوافع والأسباب... إلى حالة خاصة هي التوتر.»
ويقدم أمثلة متعددة ليبين أن اليد نفسها، والعقل نفسه، والقلب نفسه، لا يعطون النتيجة نفسها في كل الظروف؛ فالفارق الحقيقي يكمن في درجة التوتر الذي يبعث الحياة في هذه الطاقات.
ومن هنا تتضح السلسلة التي يقترحها بن نبي لتفسير الحركة الحضارية: المسوغات تولد التوتر، والتوتر يحرر الطاقات الاجتماعية، وهذه الطاقات إذا وُجهت الوجهة الصحيحة صنعت الفاعلية، ومن الفاعلية يولد الإنجاز الحضاري.
ولذلك، عندما يتحدث عن انطلاقة الحضارة الإسلامية، لا يردها إلى عامل مادي، وإنما إلى المسوغات التي جاء بها الإسلام، فيقول:
«إن العالم الإسلامي... إنما كان مندفعاً بالمسوغات التي أتى بها الإسلام ووضعها في حياته، وكانت في حالة توتر خلاق، التوتر الذي يصنع المعجزات.»
هذه العبارة الأخيرة تستحق أن نتوقف عندها طويلا. فمالك بن نبي يتحدث عن توتر خلاق؛ توتر يصنع المعجزات، لأنه يحول الإيمان إلى عمل، والقيم إلى سلوك، والفكرة إلى تاريخ.
وفي المقابل، يرى أن أفول الحضارات يبدأ عندما تفقد المجتمعات مسوغاتها، فتفتر دوافعها، وتنطفئ جذوة التوتر، وتتعطل الطاقات الاجتماعية، مهما بقيت الوسائل والإمكانات المادية متوافرة.
ولعل هذا ما يجعل سؤال النهضة اليوم سؤالا يتجاوز الاقتصاد والسياسة، ليصل إلى أعماق الإنسان نفسه: ما الذي يمنح الحياة معناها؟ وما الذي يجعل الإنسان مستعدًا لبذل جهده في سبيل قضية تتجاوز مصالحه الخاصة؟
لا نزعم في هذه المقالة أننا استوفينا مفهوم التوتر في فكر مالك بن نبي، وإنما نريد أن نلفت الانتباه إلى مفهوم نعتقد أنه يشكل أحد المفاتيح الداخلية لمشروعه الحضاري.

