ما إن التقطت الأحزاب السياسية أنفاسها من الانتخابات النيابية التي جرت في الثاني من يوليو/ تموز الماضي، وأُعلنت نتائجها النهائية منتصف الشهر نفسه، حتى وجدت نفسها أمام أعباء استحقاق انتخابي جديد، هو الانتخابات البلدية والولائية، إذ يُنتظر أن يعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، نهاية شهر أغسطس/ آب الجاري، استدعاء الهيئة الناخبة لإجرائها في موعدها الدستوري، قبل نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ومن المتوقع أن يعلن الرئيس عبد المجيد تبون استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات المحلية قبل نهاية الشهر الجاري، وفقاً للجدول الدستوري وقانون الانتخابات الذي يلزم بإجراء الانتخابات في أجل ثلاثة أشهر تسبق الموعد الذي جرت فيه الانتخابات السابقة (28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021)، وكذا استدعاء الهيئة الناخبة قبل 90 يوماً من موعد إجراء الانتخابات، وهي الآجال التي تنتهي في حدود 28 أغسطس/آب الجاري.
وقبل ذلك، عيّن الرئيس الجزائري، الليلة الماضية، رئيساً جديداً للهيئة المستقلة للانتخابات، إذ اختير عضو مجلس الأمة ورئيس كتلة الثلث الرئاسي ساعد عروس، رئيساً للسلطة، خلفاً لرئيسها السابق بالإنابة كريم خلفان. وليس واضحاً سبب هذا التغيير، لكنه يُعتقد أنه مرتبط بالجدل الكبير الذي رافق أداء السلطة في الانتخابات النيابية السابقة، وبخاصة تسجيل أدنى نسبة تصويت في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر، بلغت 20 في المائة، وكذا المشكلات التي حدثت بسبب تطبيق المادة الـ 200 من قانون الانتخابات، التي أحبطت ترشح أكثر من 40 في المائة من المترشحين المفترضين في تلك الانتخابات.
وتبرز في هذا السياق ملاحظة وجود تغيير على رأس السلطة المستقلة للانتخابات بعد كل استحقاق انتخابي، إذ نُحِّي الرئيس السابق للسلطة محمد شرفي بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر/أيلول 2024، ليخلفه كريم خلفان، الذي أدار على رأس السلطة انتخابات واحدة، هي انتخابات الثاني من يوليو/ تموز الماضي، قبل تعيين ساعد عروس رئيساً جديداً للسلطة لإدارة الانتخابات المحلية المقبلة نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.
وبدأت الأحزاب السياسية التحضير مبكراً لهذه الانتخابات، خصوصاً أن الأعباء التنظيمية والقاعدية في هذه الانتخابات كبيرة مقارنة بالانتخابات النيابية. فبينما تستدعي الأخيرة تشكيل 69 قائمة فحسب، فإن الانتخابات المقبلة مزدوجة الأعباء، إذ تتطلب من كل حزب سياسي تشكيل 1541 قائمة للمنافسة في البلديات، و69 قائمة للمنافسة على المجالس الولائية، إضافة إلى أن قانون الانتخابات يلزم كل حزب لم يحصل على نسبة أربعة في المائة في الانتخابات البلدية السابقة بجمع 39 توقيعاً إلزامياً عن كل مقعد في المجلس البلدي، للحصول على حق ترشيح اللائحة الانتخابية.
وبدأت غالبية الأحزاب السياسية ضبط الترتيبات ذات الصلة بخوض هذه الانتخابات، وأعلنت جبهة القوى الاشتراكية عقد مجلسها الوطني يوم السبت المقبل، إذ "يُخصص جانب مهم من النقاش خلاله للتحضير للانتخابات المحلية المقبلة، التي أصبحت على الأبواب، والعمل على تهيئة هياكل الحزب وتعزيز جاهزيتها استعداداً لهذه المحطة الانتخابية الهامة"، بينما عقدت حركة البناء الوطني اجتماعاً لقياداتها الوطنية لمناقشة التحضيرات الجارية للانتخابات المحلية، ورفع مستوى جاهزية قواعدها على مختلف المستويات، فيما أعلنت بعض الأحزاب مبكراً فتح باب الترشح في لوائحها الانتخابية للنخب والكفاءات المحلية.
ويعتقد محللون أن الانتخابات المحلية في الجزائر لا تقل أهمية عن الاستحقاق النيابي، لاعتبارات لها علاقة بمستوى الحضور والمستقبل السياسي لكل حزب. ويؤكد الباحث في شؤون الحكم المحلي صالح سعودي، لـ"العربي الجديد"، أن "الانتخابات المحلية مهمة للأحزاب، ليس فقط لكونها تعزز ثقل الحزب محلياً وتعطي فرصة لتصعيد إطاراته وتكوينهم على صعيد تدبير الشأن العام والتعامل القاعدي مع قضايا المواطنين، ولكن أيضاً لأن الأحزاب تعتبر أن نجاح منتخبيها في المجالس البلدية والولائية في التكفل بحاجيات المواطنين يحشد تعبئة انتخابية لصالح الحزب ويتحول إلى رصيد سياسي وانتخابي"، مضيفاً: "لعل هذا ما يفسر مثلاً صعود عدد كبير من المنتخبين المحليين إلى البرلمان في الانتخابات النيابية الأخيرة، كما لا ننسى أن حصول أي حزب على عدد معين من المنتخبين المحليين، مثلاً، يعفيه من جمع التوقيعات لقوائمه في الانتخابات النيابية اللاحقة".
لكن معضلة العزوف عن التصويت وتدني مشاركة الناخبين تبدو من ضمن الهواجس المبكرة لكثير من القوى السياسية، إذ دعت حركة مجتمع السلم، كبرى الأحزاب الإسلامية في البلاد، في بيانها الأخير الأحد الماضي، إلى "التعامل الجاد مع ظاهرة العزوف الانتخابي ومعالجة أسبابها السياسية والقانونية والمجتمعية، وجعل الانتخابات المحلية المقبلة محطة لإعادة بناء الثقة والصلة بين المواطن والمؤسسات، عبر توفير شروط المنافسة النزيهة والشفافة، على أساس البرامج والكفاءة وخدمة المواطن والتنمية المحلية"، بينما دعت حركة البناء الوطني (من الحزام الحكومي) إلى إطلاق ما وصفته بـ"مبادرة وطنية لتوسيع المشاركة وتجاوز العزوف الانتخابي، باعتبارها ضرورة ملحة لتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وإعادة الحيوية للمشهد السياسي، تساهم فيها الأحزاب السياسية كافة والإعلاميون والنخب الوطنية".
تقرير للعربي الجديد

