"الحرية الشخصية" وازدواجية المعايير عند النخب الوظيفية في تونس
مقالات راي 12 سبتمبر 2026

"الحرية الشخصية" وازدواجية المعايير عند النخب الوظيفية في تونس

بقلم: ameurayed

بين أطروحات نخبوية ترى "الأنوار" متعددة وترى الحرية مرادفة للخروج من "القصور" المرتبط بالعجز عن استعمال الإنسان لعقله "دون إرشاد غيره"، كما أشار الفيلسوف الألماني كانط في مقالته "ما هي الأنوار؟"، وبين ثقافة إسلامية تراثية ترى "النور" واحدا لا يتعدد و"الحق" مفردا لا يتكثّر، يجد التونسي نفسه موضوعا لاستراتيجيات متصارعة، وهي استراتيجيات تسعى إما لـ"تنويره" وتحديثه بالاستقواء بأجهزة الدولة وأدوات قمعها المادية والرمزية، أو تسعى لـ"إرشاده" وردّه -بالحسنى وصناديق الاقتراع أو بالقوة والغلبة- إلى الصراط المستقيم. وسواء قبلنا أو رفضنا الأطروحة القائلة بأن منظومة حقوق الإنسان تتحرك بالضرورة ضد "الوصايا العشر" التوراتية وما يماثلها في الفقه الإسلامي، فإننا لن نختلف في أن بعض "الحقوق الشخصية" بالمعنى الحديث تجد مقاومة أو رفضا كبيرين من عموم المواطنين المحافظين قبل النخب الإسلامية.

لا يمكن اختزال هذا الرفض أو رده بصورة مؤكدة إلى المرجعية الدينية لأصحابه بقدر ما هو مرتبط بعوامل أخلاقية أو عرفية، أو حتى سياسية بحكم التباس الخطاب الحقوقي في تونس وتحوله في الكثير من الأحيان إلى قاعدة متقدمة للدفاع عن خيارات النظام أو عن ورثته وحلفائهم بعد "الثورة"، وكذلك بحكم وجود "معاملة تفضيلية" لكل الأفكار والسلوكيات المعادية للدين وللهوية الجماعية في مقابل نوع من اللا مبالاة -وأحيانا نوع من التحريض أو الشيطنة- عندما يتعلق الأمر بـ"الحقوق الشخصية" لمن بحكم جذورها اليسارية وخلفيتها اللائكية الفرنسية، فإن أغلب النخب التونسية قد اختارت -حتى بعد الثورة- أن تتموضع دائما ضد كل أشكال "الحرية الشخصية" ذات المرجعية الدينية، كما اختارت أن تعارض أي عملية تفاوض سلمي على بناء المشترك الجماعي ودور الدين، أو حتى المؤسسات الدينية مثل الأوقاف والجمعيات الخيرية الإسلامية) فيهتحكمهم مرجعية دينية في أفكارهم وأنماط سلوكهم أو في مظهرهم (الحجاب، القميص، اللحية.. الخ). وهو ما يطرح إشكالية "الإنسان" نفسه كما تتمثله الهيئات/الشخصيات الحقوقية ومجمل السرديات الحداثية في مجالها الغربي الأصلي قبل طرح قضية حقوقه في السياق التونسي.

إن مفهوم "الإنسان" الذي وُلد تجريدا فلسفيا -أي بلا مضاف اجتماعي- قد اختُزل في السرديات التنويرية-الاستعمارية في الإنسان الغربي أو من يحمي مصالحه المادية والرمزية ويستمرئ وضعية التابع من غير الغربيين، أي ذلك الإنسان المبتور عن مجتمعه وعن أي إدارة شعبية غير متلاعب بها، والذي لا وظيفة له إلا إذلال "الإنسان المهدور" (على حد تعبير المفكر مصطفى حجازي) وإعادة إنتاج شروط التخلف والتبعية تحت رعاية "منظومة الاستعمار الداخلي" أو دولة الاستعمار الجديد. وهي وضعية يتم شرعنة ذراعها الأيديولوجية بمفهومي "الطليعة" و"النخبة" وغيرهما من المفاهيم التي تسند نظريا خطاب "التحرير الوطني" و"اللحاق بركب الدول المتقدمة" و"دولة الحقوق والحريات"، ولكنها عمليا لم تفعل غير تبرير هيمنة الأقليات الأيديولوجية وسياسات التحديث الفوقي المعتمدة بعد الاستقلال الصوري عن فرنسا.

وفي مقابل هذا التصادم القصدي مع الأغلبية المحافظة والتي لم تكن بالضرورة "إسلامية"، اختارت تلك النخب أن تسند كل الأقليات في الداخل والخارج، وأن تدافع عن كل الخطابات المستفزة للمقدس الجمعي بدعوى الدفاع عن "النمط المجتمعي التونسي".

ولأننا بيّنا في أكثر من مقال سابق حقيقة ما يسمى بـ"النمط المجتمعي التونسي" باعتباره مجرد استنساخ "مشوّه" للنمط المجتمعي الفرنسي وباعتباره أيضا مجرد "مجاز" تحول إلى مقدس لائكي هدفه منع أي عملية إصلاح جذري قد تهدد مصالح النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وشبكاتها الزبونية، تلك الشبكات التي تحتل مركزَها "الأقليات الأيديولوجية" أو ما يُسمى ب"اليسار الوظيفي" بمكوّنيه الماركسي والقومي.

بصرف النظر عن التوظيفات السياسوية والمزايدات الأخلاقوية التي تطبع السجال العمومي في الملفات الأمنية-القضائية للنخب التونسية، فإن مقاربة هذه الملفات بمنطق موضوعي يحتاج إلى أخذ مسافة نقدية من الجميع. ولكن هل إن الموضوعية تقتضي أن نكون على المسافة نفسها من "المستقوي بغيره" و"المستضعف في ذاته"؟ هل إن الموضوعية تقتضي أن نسويَ بين الأضحية المقدسة" للنخب (أي الإسلاميين أساسا، ومن بعدهم من طبّع معهم أو عارض منظومة الحكم الحالية) وبين بعض النخب القائمة على خطابات التحريض على العنف المادي والرمزي عندما تتحول إلى "ضحية" للسحل في الفضاء العام، أي عندما ينقلب السحر على الساحر ويجد الضحية فرصة للتنفيس عن مكبوتاته؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، وهي في كل الأحوال بلا قيمة عندما لا تكون إجابة جماعية مبدئية متحررة من موازين القوة/الضعف بين مختلف الفُرقاء.

إذا كانت الحرية الشخصية في أبسط تعريفاتها هي القدرة على اختيار أسلوب الحياة دون إكراه أو تعدّ من الآخرين، وإذا كانت تلك الحرية -من منظور حقوقي حديث- هي حق طبيعي وتعبير عن الاستقلالية الفردية، فإنها تثير في السياق التونسي عدة إشكالات من جهة إدارة "النخب الحداثية" لها -سواء في علاقتهم بالدولة أو بمن يخالفهم من المواطنين- أي من جهة "الأداء" الواقعي بعيدا عن الادعاءات الذاتية وما تستلزمه من "أمثلة" للأنا الفردي والجماعي و"شيطنة" نسقية للمخالفين فكريا وسلوكيا.

ولا شك عندنا في طوباوية أي طرح يصادر على أنّ "عموم البلوى" أو تحول "الأعداء" إلى ضحايا للنظام الحالي قد يؤدي إلى مراجعات جذرية عند النخب يمينا ويسارا، أو قد يدفع بها إلى "كلمة سواء". بل إننا نذهب إلى أن الاشتراك في وضعية "الأضحية" سيزيد في تعميق الانقسامات الحادة بين المتصارعين، وهي انقسامات لن تحتاج منظومة الاستعمار الداخلي -مهما كانت واجهاتها السياسية- إلا إلى تغذيتها باعتبارها أحد الشروط الأساسية لاستمرار هيمنتها على "الكيان الوظيفي" الذي يسمى مجازا "دولة حرة، مستقلة ذات سيادة".

عادل بن عبد الله

العربي 21

شارك هذا المقال:

"الحرية الشخصية" وازدواجية المعايير عند النخب الوظيفية في تونس | أنساق