الحقد السياسي: من الانفعال إلى صناعة العدو
مراجعة كتب 24 أكتوبر 2026

الحقد السياسي: من الانفعال إلى صناعة العدو

بقلم: ameurayed

بقلم عامر عياد

عنوان الكتاب :الحقد السياسي: دراسة في آليات الشعبوية والأزمة الأخلاقية من منظور علم النفس الاجتماعي

الكاتب : محمد بن جماعة

الناشر :الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2026

قراءة نقدية في كتاب محمد بن جماعة «الحقد السياسي: دراسة في آليات الشعبوية والأزمة الأخلاقية من منظور علم النفس الاجتماعي»

صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر سنة 2026 كتاب محمد بن جماعة «الحقد السياسي: دراسة في آليات الشعبوية والأزمة الأخلاقية من منظور علم النفس الاجتماعي»، في 560 صفحة موزعة على ثلاثة عشر فصلاً وخمسة أقسام رئيسية. يتحرك الكتاب من تشخيص الحقد بوصفه ظاهرة نفسية واجتماعية، إلى تحليل علاقته بالشعبوية والأزمة الأخلاقية، ثم ينتقل إلى اللغة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها فضاءات لإنتاج الحقد وتداوله، ويستعرض بعد ذلك مجموعة من أدوات التدمير الرمزي، قبل أن ينتهي إلى دراسات حالة واستراتيجيات للمقاومة.

يكشف هذا البناء عن طموح يتجاوز دراسة الحقد بوصفه انفعالاً فردياً عابراً. فالمؤلف يحاول الاقتراب من العملية التي تتحول من خلالها المشاعر السلبية إلى أنماط من الإدراك الجماعي، ثم إلى هويات سياسية، ثم إلى خطاب وسلوك وممارسة. ومن هذه الزاوية يصبح الحقد موضوعاً يتصل بجوهر السياسة ذاتها، لأن السياسة لا تتحرك داخل المؤسسات والقوانين والمصالح وحدها، وإنما تتشكل كذلك داخل عالم الانفعالات والرموز والصور المتبادلة بين الجماعات.

يأتي اختيار علم النفس الاجتماعي إطاراً مركزياً لهذا المشروع منسجماً مع طبيعة الموضوع. فهذا الحقل يحتل منطقة وسطى بين الفرد والجماعة، ويتيح دراسة الكيفية التي يتأثر بها الفرد بالجماعة، والكيفية التي تعيد بها الجماعة تشكيل إدراك الفرد لذاته وللآخرين. ومن هنا يستدعي الكتاب نظريات الهوية الاجتماعية، ونزع الإنسانية، وفك الارتباط الأخلاقي، والتأثير الاجتماعي، والتفكير والانحيازات، ويوظفها في تفسير الاستقطاب السياسي وآليات إنتاج العدو.

تكمن أهمية الكتاب في هذه النقلة تحديداً. فالكتابة السياسية العربية اعتادت مقاربة الشعبوية من زاوية الخطاب السياسي أو الأيديولوجيا أو مصالح الفاعلين، بينما يذهب المؤلف إلى منطقة أخرى: ماذا يحدث داخل الإنسان والجماعة عندما يتحول الخصم السياسي إلى موضوع للكراهية؟ وكيف تستطيع اللغة أن تمنح هذه الكراهية شرعية أخلاقية؟ وكيف يتحول الغضب الفردي إلى شعور جماعي؟ وكيف تستطيع الجماعة أن تعيد تعريف العنف الرمزي باعتباره دفاعاً عن الذات؟

مع ذلك، فإن هذا الاختيار المنهجي يضع الكتاب أمام مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بحدود التفسير النفسي والاجتماعي. فالحقد لا يظهر في الفراغ، والهوية السياسية تتشكل داخل أوضاع تاريخية ومؤسسية واقتصادية محددة. لذلك فإن السؤال الذي تقترحه هذه القراءة لا يقتصر على مدى نجاح الكتاب في تفسير آليات الحقد، وإنما يمتد إلى العلاقة بين هذه الآليات والشروط التي تسمح لها بالظهور والانتشار والتحول إلى قوة سياسية.

ومن هنا تقوم هذه المراجعة على قراءة الكتاب في مستويين متداخلين: مستوى داخلي يتتبع منطقه المفاهيمي والحجاجي، ومستوى نقدي يضع هذا المنطق أمام الأدبيات الأوسع في الشعبوية وعلم النفس الاجتماعي وتحليل الخطاب وعلم الاجتماع السياسي. والغاية الوصول إلى تقدير أكثر تركيباً لمكانة الكتاب، ينظر إلى إسهامه النظري والعملي، كما ينظر إلى المساحات التي يمكن أن يفتحها أمام أبحاث لاحقة.

أولاً: من الحقد بوصفه انفعالاً إلى الحقد بوصفه ظاهرة سياسية

تبدأ قوة المشروع من إعادة تعريف موقع الحقد داخل العملية السياسية. فالحقد في التصور الذي يبنيه الكتاب لا يمثل مجرد شعور داخلي، وإنما نتيجة لمسار اجتماعي تتفاعل فيه التجربة الفردية مع الجماعة واللغة والذاكرة والصراع على المكانة. وهذه النقلة مهمة لأنها تمنع اختزال الظاهرة في شخصية السياسي أو في «طبيعة» جمهور معين، وتدفع إلى البحث في الآليات التي تجعل المشاعر قابلة للتنظيم والتعبئة.

يساعد مفهوم الحرمان النسبي على تفسير جانب من هذا المسار. فالإنسان لا يقيس وضعه بصورة مطلقة فقط، وإنما يقارنه بما يراه متاحاً للآخرين وبما يعتقد أنه يستحقه. ومن هنا يمكن أن يتحول الفارق بين التوقع والواقع إلى شعور بالظلم، ثم يتحول الشعور بالظلم إلى بحث عن المسؤول. وكلما عجز النظام السياسي عن تقديم تفسير مقنع للأزمة، ازدادت جاذبية التفسيرات التي تمنح المعاناة سبباً محدداً وشخصاً أو جماعة يمكن تحميلها المسؤولية.

تتداخل هنا نظرية الهوية الاجتماعية عند تاجفل وتيرنر. فالإنسان يبحث عن موقع له داخل جماعة، والجماعة تمنحه قدراً من الاعتراف والمعنى والمكانة. وعندما تصبح الهوية السياسية شديدة الارتباط بصورة الذات، يصبح الخلاف السياسي مسألة تمس الكرامة والانتماء. عندها يستطيع الخصم أن يتحول من منافس في المجال العام إلى تهديد لصورة الجماعة عن نفسها.

هذه النقطة تمثل مدخلاً أساسياً لفهم الاستقطاب. فالاستقطاب السياسي يبدأ في صورة اختلاف بين المواقف، ثم يمكن أن يتحول إلى استقطاب هوياتي تصبح فيه عضوية الجماعة أهم من مضمون الموقف نفسه. وقد يواصل الفرد الدفاع عن موقف جماعته حتى عندما تتغير الوقائع التي شكلت موقفه الأول، لأن التخلي عن الموقف قد يبدو له تخلياً عن الجماعة وعن ذاته في الوقت نفسه.

هنا تظهر آلية التحيز لصالح الجماعة والتحيز ضد الجماعة الأخرى. ويكتسب هذا التحيز بعداً أخلاقياً عندما تبدأ الجماعة في النظر إلى نفسها بوصفها حاملة لقيم إيجابية، وإلى الجماعة الأخرى بوصفها مصدراً للفساد أو الانحراف أو الخيانة. وعند هذه المرحلة يصبح الانتقال إلى نزع الإنسانية أكثر سهولة.

نزع الإنسانية يمثل في هذا السياق أكثر من مجرد استخدام ألفاظ مهينة. إنه عملية إدراكية يجري من خلالها تقليص حضور الصفات الإنسانية المشتركة لدى الخصم، بحيث يصبح التعامل معه أكثر خشونة وأقل ارتباطاً بقواعد التعاطف. وتزداد خطورة هذه العملية عندما تقترن باستعارات المرض أو الوباء أو الحيوان أو الخيانة، لأنها تنقل الخصم من دائرة الاختلاف إلى دائرة الخطر.

يستطيع هذا المسار أن يفسر كيف تتحول بعض الصراعات السياسية إلى صراعات أخلاقية. فالخصم يصبح ممثلاً للشر، والتعامل معه يصبح اختباراً للولاء. وهنا تبدأ الحدود بين السياسة والأخلاق في الاختلاط بطريقة قد تضعف إمكان التسوية، لأن التسوية مع المختلف سياسياً ممكنة حين يُنظر إليه باعتباره شريكاً في الوطن، بينما تصبح التسوية مع «الشر» في المخيال السياسي نوعاً من التواطؤ.

ومن هذه الزاوية يقدم الكتاب تصوراً مهماً للحقد باعتباره عملية تراكمية. فالحقد لا يحتاج إلى لحظة واحدة حتى يظهر، وإنما يتشكل من سلسلة من العمليات: إحباط، ثم مقارنة، ثم شعور بالحرمان، ثم تفسير، ثم تحديد للمسؤول، ثم بناء لهوية، ثم ترسيم للحدود بين «نحن» و«هم»، ثم منح هذه الحدود معنى أخلاقياً.

هذه السلسلة تمنح الكتاب بعده الأهم، لأنها تنقل النقاش من سؤال «لماذا يكره الناس؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف تُنتج الكراهية سياسياً؟». والفرق بين السؤالين كبير؛ فالأول يبحث في نفس الفرد، بينما يبحث الثاني في التفاعل بين الفرد والجماعة والخطاب والظرف السياسي.

مع ذلك، تحتاج هذه السلسلة إلى إدخال عامل آخر يتعلق بالقدرة السياسية على تحويل المشاعر إلى تعبئة. فالغضب موجود في مجتمعات كثيرة، والحقد قد يظهر في مناسبات متعددة، لكن تحوله إلى قوة سياسية يحتاج إلى فاعلين قادرين على صياغته، وإلى وسائل قادرة على نشره، وإلى مؤسسات ضعيفة أو متآكلة، وإلى جمهور مستعد لتبني الرواية التي تمنحه تفسيراً لمعاناته.

وهنا تبدأ النقلة من علم النفس الاجتماعي إلى علم الاجتماع السياسي.

ثانياً: الشعبوية وصناعة العدو

يحتل مفهوم الشعبوية موقعاً مركزياً في الكتاب، ويستند المؤلف في تحديده إلى عدد من المرجعيات الأساسية، خصوصاً كاس مودة ويان-فيرنر مولر. وفي هذا السياق تظهر الشعبوية باعتبارها تصوراً للمجتمع يقوم على الانقسام بين شعب أصيل ونقي من جهة، ونخبة فاسدة أو جماعة دخيلة من جهة أخرى، مع حضور قوي لفكرة امتلاك تمثيل حصري لإرادة الشعب.

تكمن أهمية هذا التصور في أنه يفسر العلاقة بين الشعبوية والحقد من خلال بنية الخطاب. فالشعبوية تحتاج إلى رسم حدود واضحة بين جماعة ترى نفسها صاحبة الحق وجماعة تحمل مسؤولية الأزمة. وكلما كان الخطاب أكثر قدرة على تحديد العدو، أصبح أكثر قدرة على تنظيم الغضب وتوجيهه.

لكن العلاقة بين الشعبوية والحقد تحتاج إلى صياغة أكثر تعقيداً من فكرة الإنتاج الأحادي. فالشعبوية قد تنتج الحقد من خلال خطابها، وقد تستثمر مشاعر موجودة مسبقاً، وقد تعيد تنظيم مظالم متفرقة داخل رواية سياسية واحدة. وهنا يبدو مفهوم «التغذية المتبادلة» أكثر قدرة على تفسير الظاهرة.

فالمجتمع الذي يعيش أزمة اقتصادية أو سياسية ينتج مشاعر من الإحباط والقلق وفقدان الثقة. يأتي الخطاب الشعبوي ليمنح هذه المشاعر لغة، ويمنحها في الوقت نفسه تفسيراً وشخصية مسؤولة عنها. وبعد ذلك تعود هذه المشاعر إلى المجال الاجتماعي بصورة أكثر تنظيماً، فتغذي الخطاب وتمنحه مزيداً من القوة.

من هنا يمكن فهم وظيفة «العدو» داخل الشعبوية. فالعدو يؤدي وظيفة تفسيرية ووظيفة هوياتية في آن واحد. إنه يشرح للجماعة لماذا تعاني، ويحدد لها في الوقت نفسه من ينبغي أن تتوحد ضده.

تساعد أطروحة إرنستو لاكلو على توسيع هذه الصورة. فالشعبوية عنده تقوم على بناء سلسلة من المطالب المتفرقة التي تجد نقطة تجمع في مفهوم «الشعب». ويمكن لمطالب اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة أن تنتظم حول دال جامع، ثم يجري تعريف هذا الشعب في مواجهة خصم أو نخبة أو نظام. وتكشف هذه المقاربة عن الجانب البنائي في الظاهرة: الشعبوية لا تكتشف الشعب باعتباره وحدة جاهزة، وإنما تشارك في إنتاجه خطابياً وسياسياً.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الشعبوية بوصفها أسلوباً سياسياً وبين الشعبوية بوصفها أيديولوجيا مكتملة. فالشعبوية قد تتخذ أشكالاً يمينية أو يسارية أو قومية أو دينية أو وطنية، وقد تختلف نتائجها باختلاف المؤسسات والسياقات. وهذا الاختلاف يحد من إمكان بناء علاقة ثابتة بين الشعبوية والحقد.

فالخطاب الشعبوي في مجتمع يعاني مؤسسات قوية وآليات رقابة مستقلة قد يجد حدوداً أمام قدرته على تحويل العداء إلى ممارسة. وفي مجتمع يعاني انهياراً مؤسسياً، قد تتحول اللغة نفسها إلى أداة أكثر تأثيراً. ولذلك فإن دراسة الشعبوية تحتاج إلى النظر في البيئة التي تعمل داخلها، وليس في الخطاب وحده.

ويزداد هذا الأمر أهمية في السياق العربي. فالشعبوية العربية تتحرك داخل تاريخ مختلف عن التجارب الأوروبية والأمريكية التي تشكل جزءاً مهماً من الأدبيات المرجعية. فالدولة الوطنية، والإرث الاستعماري، والسلطوية، والدين، والصراع حول الهوية، والجيش، وشبكات الزبونية، كلها تدخل في تكوين العلاقة بين الشعب والنخبة والسلطة.

وهنا يمكن قراءة الكتاب بوصفه خطوة أولى نحو بناء نموذج عربي لدراسة الحقد السياسي، أكثر من اعتباره نموذجاً مكتفياً بذاته. فالمفاهيم التي يقدمها توفر أدوات أولية قوية، بينما يحتاج تطبيقها إلى استيعاب الخصوصيات التاريخية والاجتماعية لكل مجتمع.

وتكتسب فكرة كبش الفداء عند رينيه جيرار أهمية في هذا السياق. فعندما تتراكم التوترات داخل الجماعة، يمكن أن يتحول طرف معين إلى مستودع للغضب الجماعي. ولا تتناسب مسؤولية هذا الطرف بالضرورة مع حجم اللوم الذي يحمله. المهم هو الوظيفة الرمزية التي يؤديها: إنه يقدم للجماعة صورة واضحة عن مصدر الأزمة.

بهذا المعنى، يصبح إنتاج العدو وسيلة لإعادة إنتاج التضامن الداخلي. فالجماعة التي تتعرض للتهديد تتماسك حول صورة العدو، ويصبح الخلاف الداخلي أقل ظهوراً أمام الخطر الخارجي أو المتخيل. وهذه الآلية تفسر جزئياً لماذا تستطيع بعض الخطابات السياسية المحافظة على قوتها رغم عجزها عن تقديم حلول ملموسة: إنها تقدم للجمهور شعوراً بالانتماء والوضوح والعدالة الرمزية.

ثالثاً: اللغة والأزمة الأخلاقية في المجال السياسي

يمثل تحليل اللغة واحداً من أكثر أجزاء الكتاب نضجاً من الناحية التحليلية. فاللغة في الكتاب تتحول إلى مساحة تلتقي فيها السياسة بعلم النفس الاجتماعي. فالتسمية والوسم والتأطير والتكرار والاستعارة ليست عناصر أسلوبية عابرة، وإنما أدوات تشارك في تشكيل إدراك الجمهور للواقع.

تسمية الخصم مثلاً تختصر مجموعة واسعة من خصائصه في كلمة واحدة. وعندما تتكرر الكلمة داخل المجال العام، تتحول إلى إطار ذهني جاهز. ويصبح من الممكن أن يتفاعل الجمهور مع الشخص أو الجماعة من خلال التسمية قبل التعرف إلى مواقفها الفعلية.

أما التأطير فيحدد زاوية النظر إلى الحدث. فالحدث الواحد يستطيع أن يظهر بوصفه احتجاجاً أو فوضى، وإصلاحاً أو تفكيكاً، ودفاعاً عن الدولة أو قمعاً للمجتمع، تبعاً للإطار الذي يقدم من خلاله. وهنا يلتقي تحليل الخطاب مع علم النفس المعرفي: المتلقي لا يستقبل المعلومات في فراغ، وإنما يفسرها داخل خرائط ذهنية سابقة.

ويمنح التكرار هذه العملية قدرة إضافية. فالفكرة التي تتكرر تصبح مألوفة، والألفة تستطيع أن تخفف مقاومة المتلقي تجاهها. ومن هنا يصبح التكرار إحدى أدوات التطبيع. ومع انتقال العبارة من هامش الخطاب إلى مركزه، تتغير حدود المقبول داخل المجال العام.

وتضاعفت هذه العملية مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت البيئة الإعلامية أكثر سرعة وتفاعلاً وأقل اعتماداً على الوسيط المهني التقليدي. وأصبحت الخوارزميات وأنماط التفاعل الرقمي تساعد على تشكيل فضاءات متجانسة نسبياً، يتعرض فيها الفرد بصورة متكررة إلى الرسائل التي تنسجم مع مواقفه السابقة.

هنا تظهر مشكلة «الفقاعات السياسية» وغرف الصدى. فالمستخدم قد يجد نفسه داخل بيئة تعزز اعتقاداته، وتمنحه شعوراً بأن موقفه يمثل الحقيقة الواضحة، وأن الرأي المختلف استثناء أو مؤامرة. وكلما ارتفع هذا الشعور باليقين الجماعي، انخفضت مساحة الحوار.

وتزداد قوة هذه العملية حين يكون المحتوى مثيراً للغضب. فالمعلومة الهادئة تحتاج إلى وقت حتى تثير اهتمام الجمهور، بينما تستطيع الإهانة أو الاتهام أو الخوف أن تحقق انتشاراً أسرع. ومن ثم يصبح الاقتصاد الرقمي للانتباه جزءاً من البنية التي تسمح للحقد بالانتشار.

لكن الجمهور يظل فاعلاً في هذه العملية. فهو يختار ويعيد النشر ويعلق ويضيف ويحوّر. ومن هنا يصبح الحقد السياسي ظاهرة تشاركية، تتداخل فيها صناعة الخطاب مع استهلاكه وإعادة إنتاجه.

أما الجانب الأخلاقي، فيأخذ الكتاب إلى مستوى أكثر عمقاً. فباندورا يشرح من خلال مفهوم فك الارتباط الأخلاقي كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على صورة إيجابية عن ذاته في الوقت الذي يشارك فيه في سلوك مؤذٍ. ويمكن للسياسي أو الناشط أو المواطن أن يعيد تفسير أفعاله بحيث تصبح متوافقة مع أخلاق الجماعة التي ينتمي إليها.

تعمل هذه الآلية من خلال إعادة تسمية الفعل، أو تحميل المسؤولية للآخر، أو تقليل أهمية الضرر، أو مقارنة السلوك بما يعتبره الفرد شراً أكبر. وبهذه الطريقة يمكن أن يتحول الانتقام إلى عدالة، والتشهير إلى كشف للحقيقة، والإقصاء إلى حماية للمجتمع.

هذه النقطة تفتح باباً مهماً لفهم التشفي السياسي. فالتشفي لا يمثل مجرد رغبة في رؤية الخصم متألماً، وإنما يمكن أن يتحول إلى طقس جماعي يعزز الشعور بالانتماء. عندما يفرح أفراد الجماعة بسقوط خصمها، فإنهم يعبرون في الوقت نفسه عن تضامنهم مع جماعتهم.

وهنا يصل الحقد إلى مستوى تصبح فيه مشاعر الإنسان تجاه الآخر جزءاً من تعريفه لذاته. ويصبح السؤال السياسي: «ماذا أريد؟» أقل أهمية أحياناً من سؤال «من أكره؟».

رابعاً: حدود المقاربة النفسية والاجتماعية

تظهر القيمة العلمية لأي مقاربة كذلك في قدرتها على تحديد حدودها. وهنا تبرز أهم ملاحظة منهجية يمكن توجيهها إلى الكتاب: قوة التفسير النفسي والاجتماعي قد تدفع أحياناً إلى منح العوامل النفسية وزناً أكبر من الظروف التي تستدعيها وتوجهها.

فالإنسان يحمل هويات متعددة، ويعرف الانتماء والتحيز والغضب في حياته اليومية، لكن الظروف التي تحول هذه المشاعر إلى حقد سياسي تحتاج إلى تفسير مؤسسي وتاريخي واقتصادي. فالأزمة الاقتصادية تخلق بيئة من القلق، والأزمة السياسية تخلق فقداناً للثقة، وضعف المؤسسات يقلل من قنوات التعبير، وتراجع الوسائط الاجتماعية يزيد من قابلية الجمهور للتعبئة المباشرة.

يمكن هنا بناء نموذج تفسيري أكثر تركيباً يتكون من أربعة مستويات: بنية تنتج التوتر، ومؤسسات تحدد قنوات التعبير عنه، وهويات تمنحه معنى، وخطابات تحوله إلى تعبئة. والحقد يظهر بقوة حين تتفاعل هذه المستويات.

هذا التوسع مهم خصوصاً في قراءة السياق العربي. فالاستقطاب السياسي العربي لا يمكن فصله عن تاريخ الدولة السلطوية، وعن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعن الصراعات الأيديولوجية، وعن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

وتزداد أهمية هذا الأمر في الحالة التونسية. فقد عرف المجتمع بعد الثورة انتقالاً سريعاً من فضاء سياسي شديد التضييق إلى فضاء شديد التعدد، ثم دخل في صراعات حول الشرعية والهوية والسلطة. ومع تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية، أصبحت لغة التخوين والتشكيك والإقصاء أكثر حضوراً.

في مثل هذا السياق، لا تكفي معرفة آليات الهوية الاجتماعية لتفسير الظاهرة. ينبغي أيضاً معرفة لماذا أصبحت بعض الهويات أكثر حساسية من غيرها، ولماذا أصبح بعض الخصوم أكثر قابلية للتحول إلى أعداء، ولماذا فقدت بعض المؤسسات قدرتها على الوساطة.

ويطرح موقع المؤلف من هذه التجربة سؤالاً منهجياً إضافياً. فالمسافة الجغرافية عن تونس يمكن أن تمنح الباحث قدرة على المقارنة وعلى رؤية بعض الأنماط العامة، لكنها قد تحرمه من بعض التفاصيل الدقيقة التي تشكل الذاكرة السياسية المحلية. هذه المسافة تحتاج إلى أن تتحول من معطى شخصي إلى موضوع منهجي معلن، بحيث يعرف القارئ موقع الباحث بالنسبة إلى الظاهرة التي يدرسها.

وتتصل بذلك مسألة المنهجية البحثية. فالكتاب غني بالمفاهيم والمراجع والأمثلة، لكن القارئ يحتاج إلى معرفة أكثر تحديداً بطريقة اختيار الأمثلة ودراسات الحالة، وكيفية الانتقال من النظرية إلى الاستنتاج. فهناك فرق بين الاستشهاد بمثال لتوضيح نظرية، وبين استخدام مجموعة منظمة من الحالات لاختبار النظرية.

هذا التفريق ضروري في كتاب يتطلع إلى موقع داخل المجال الأكاديمي. فهو يسمح بتحديد طبيعة النتائج: هل هي فرضيات تفسيرية؟ أم استنتاجات مستخلصة من حالات؟ أم تركيب نظري للأدبيات؟

كما أن علم النفس الاجتماعي نفسه شهد مراجعات مهمة تتعلق بمدى قابلية تعميم نتائج التجارب الكلاسيكية. وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية عند نقل المفاهيم من بيئة ثقافية إلى أخرى. ولذلك كان يمكن للكتاب أن يستفيد من الأدبيات التي تنتقد التمركز الغربي في العلوم السلوكية، وأن يسأل عن مدى ملاءمة هذه المفاهيم للسياقات العربية.

هذه الملاحظة لا تلغي قيمة النظريات المستخدمة، وإنما تدعو إلى استخدامها بوصفها أدوات للحوار مع الواقع العربي، بحيث يصبح الواقع نفسه مصدراً لإعادة اختبار المفاهيم وتطويرها.

خامساً: بين الدراسة الأكاديمية ودليل المقاومة

يمنح الكتاب نفسه منذ البداية وظيفة عملية. فهو يريد أن يساعد الصحفي والناشط والمواطن على اكتشاف أدوات الحقد وتفكيكها ومقاومتها. وهذا الطموح يمنحه بعداً يتجاوز الكتاب الأكاديمي التقليدي، ويجعله أقرب إلى مشروع للتثقيف السياسي والأخلاقي.

تظهر هنا مفارقة تستحق التوقف. فكلما اقترب الكتاب من المجال العملي، ازداد حضوره المعياري والأخلاقي، وكلما أراد المحافظة على هويته الأكاديمية، احتاج إلى الفصل الواضح بين تفسير الظاهرة وتقويمها.

المسألة تتعلق أيضاً بمفهوم «المقاومة». فمقاومة الحقد تحتاج إلى أكثر من كشف تقني لآلياته. المواطن قد يعرف أن الخطاب يعتمد التأطير أو التكرار، لكنه قد يظل متأثراً به إذا كانت تجربته الاجتماعية تدفعه إلى تصديقه. والوعي بالآليات لا يزيل تلقائياً أسباب الغضب.

لذلك تبدو مقاومة الحقد أكثر فاعلية عندما تتحرك في مستويات متزامنة. المستوى الأول يتعلق بالفرد وقدرته على التعرف إلى تحيزاته وانفعالاته. المستوى الثاني يتعلق باللغة والإعلام، عبر تطوير مهارات نقد الخطاب والتحقق من المعلومات ومقاومة إعادة إنتاج الإهانات. المستوى الثالث يتعلق بالمؤسسات، لأن المجتمع يحتاج إلى قنوات يستطيع من خلالها تحويل الغضب إلى مطالب سياسية قابلة للنقاش.

وهذا يقود إلى نقطة مركزية: الحقد السياسي لا يعيش على المشاعر وحدها. إنه يحتاج إلى بيئة سياسية. وعندما تضعف مؤسسات الوساطة، ويغيب الحوار، وتتراجع الثقة، ويشعر المواطن بأن صوته لا يجد قناة مؤثرة، تصبح الخطابات التي تقدم حلولاً بسيطة وعدواً واضحاً أكثر جاذبية.

من هنا يصبح تجاوز الحقد مرتبطاً بإعادة بناء المجال السياسي نفسه. فالتعددية تحتاج إلى قواعد، والتنافس يحتاج إلى شرعية متبادلة، والمحاسبة تحتاج إلى مؤسسات، والاختلاف يحتاج إلى فضاء يسمح لكل طرف بالحضور دون أن يتحول وجوده إلى تهديد وجودي للطرف الآخر.

وفي هذه النقطة يمكن للكتاب أن يفتح أفقاً أوسع من موضوعه المباشر. فالمشكلة التي يدرسها ليست فقط مشكلة «الحاقد» أو «الشعبوي»، وإنما مشكلة النظام السياسي الذي يسمح بتحويل المشاعر إلى أدوات للسيطرة والتعبئة.

ويعود هنا سؤال الكتاب الأساسي في صورة أكثر تعقيداً: إذا كانت آليات الحقد متجذرة في بنية الإنسان والجماعة، فكيف يمكن إنشاء مؤسسات وثقافة سياسية تمنع هذه الآليات من التحول إلى قواعد للحياة العامة؟

قد تكمن الإجابة في بناء ما يمكن تسميته «الحد الأدنى من الاعتراف المتبادل». فالخصوم السياسيون يحتاجون إلى مساحة مشتركة تسمح لهم بالتنافس من داخل الجماعة الوطنية نفسها. ويمكن لهذا الاعتراف أن يشكل حاجزاً أمام عملية نزع الإنسانية، لأن الاعتراف بالخصم بوصفه مواطناً يضع حدوداً أخلاقية للصراع.

وهذا المفهوم يمثل، في تقديري، امتداداً طبيعياً لمشروع الكتاب. فإذا كان الحقد يقوم على بناء صورة للآخر باعتباره عدواً، فإن مقاومته تبدأ بإعادة تعريف الآخر باعتباره شريكاً في المجال السياسي، حتى عندما يكون الخلاف معه عميقاً.

خاتمة: نحو فهم أكثر تركيباً للحقد السياسي

يمثل «الحقد السياسي» محاولة طموحة لإعادة إدخال العامل النفسي والاجتماعي إلى دراسة السياسة العربية، من خلال البحث في المشاعر والهويات واللغة والأخلاق وآليات إنتاج العدو. وتكمن أهميته في أنه يضع الحقد داخل مسار متكامل يبدأ من الفرد ويمتد إلى الجماعة والخطاب والمؤسسة.

وتبدو قيمة الكتاب أوضح حين نقرأه باعتباره محاولة لتفسير «كيف» يعمل الحقد، أكثر من كونه بحثاً نهائياً في جميع أسباب ظهوره. فهو يقدم شبكة من المفاهيم تساعد على فهم الهوية والاستقطاب ونزع الإنسانية وفك الارتباط الأخلاقي والتأطير والتكرار والتشفي.

وتحتاج هذه الشبكة إلى توسعة باتجاه الاقتصاد السياسي والتاريخ والمؤسسات والثقافة. فالحقد يتغذى من مشاعر حقيقية، وهذه المشاعر تتشكل داخل ظروف موضوعية. والشعبوية تستثمر الغضب، لكنها تحتاج كذلك إلى أزمة تمثيل أو ثقة أو شرعية حتى يتحول خطابها إلى قوة سياسية مؤثرة.

ومن هنا يمكن اقتراح قراءة تركيبية للكتاب تقوم على أربعة مستويات مترابطة: الظرف الذي ينتج الإحباط، والهوية التي تمنحه المعنى، والخطاب الذي يمنحه اللغة، والمؤسسة التي تحدد قدرته على التحول إلى فعل سياسي. وفي نقطة التفاعل بين هذه المستويات تتشكل ظاهرة الحقد السياسي في صورتها الأكثر خطورة.

تكمن أهمية هذا النموذج في أنه يحرر النقاش من التفسير الأحادي. فالحقد لا يمكن اختزاله في نفسية الأفراد، كما لا يمكن تفسيره بالأزمة الاقتصادية وحدها أو بالخطاب السياسي وحده. إنه ظاهرة مركبة تتفاعل فيها البنية والانفعال واللغة والمؤسسة.

وإذا كان الكتاب قد ركز على «آلة الحقد»، فإن القراءة النقدية تقترح إضافة سؤال آخر: من يشغل هذه الآلة؟ ومن يوفر لها الوقود؟ وفي أي بيئة تستطيع العمل؟ ومن يملك القدرة على إيقافها؟

هذه الأسئلة تجعل الكتاب أكثر أهمية مما يوحي به عنوانه. فهو يفتح النقاش حول العلاقة بين السياسة والمشاعر، وحول الطريقة التي تتحول بها الأزمات إلى هويات، والهويا

شارك هذا المقال:

الحقد السياسي: من الانفعال إلى صناعة العدو | أنساق