هناك كتب نبحث عنها فلا نجدها، ومجلات كانت حاضرة ذات يوم ثم اختفت من أمامنا، ونصوص قرأناها منذ سنوات ثم تمنينا لو نستطيع العودة إليها. أحيانًا يكون ما نبحث عنه قريبًا منا جدًا، في مكتبة قديمة، أو في مجموعة خاصة، أو في عدد من مجلة لم يعد أحد يتذكر أين يمكن العثور عليه.
لهذا أحببت أن أتوقف عند تجربة أراها جديرة بالاهتمام: «موقع الذاكرة» الذي يعمل عليه أحمد عبد النبي.
الفكرة في ظاهرها بسيطة: جمع وأرشفة عدد من الكتب والمجلات والمواد التي تنتمي إلى الذاكرة الفكرية والثقافية، ورقمنتها حتى تصبح متاحة لمن يريد قراءتها والعودة إليها.
لكن وراء هذه الفكرة عمل طويل وصبر كبير. فالأرشيف يحتاج إلى عين ترى قيمة ما قد يراه آخرون مجرد أوراق قديمة، ويحتاج إلى شخص يؤمن بأن ما كتب بالأمس قد يصبح مادة ضرورية لفهم اليوم.
وأعتقد أن هذه هي القيمة الحقيقية للموقع.
عندما نعود إلى مجلة صدرت قبل عقود، أو نقرأ كتابًا كان حاضرًا في نقاشات جيل سابق، نشعر أحيانًا أننا نستعيد شيئًا من ذلك الزمن. نكتشف كيف كان الناس يفكرون، وما الذي كان يقلقهم، وما الأسئلة التي شغلتهم، وكيف كانوا ينظرون إلى المجتمع والسياسة والثقافة والدين والفكرة والاختلاف.
وفي هذا المعنى تصبح الأرشفة نوعًا من الحوار بين الأجيال.
جيل يترك أثره، وجيل يأتي بعده فيجد الأثر محفوظًا أمامه، فيقرأه ويختلف معه وربما يتعلم منه. وهكذا تستمر الأفكار في السفر، حتى بعد أن يغيب أصحابها.
هذا بالضبط ما يجعل «موقع الذاكرة» جديرًا بالاهتمام. فهو يتيح للقارئ أن يدخل إلى عوالم فكرية وثقافية ربما يصعب الوصول إليها اليوم. والباحث يجد فيه مادة يمكن أن تعينه على البحث، والقارئ الفضولي قد يكتشف بين صفحاته كتابًا أو مجلة أو اسمًا لم يسبق له أن صادفه.
وأحيانًا تكون قيمة الأرشيف في المفاجآت التي يخفيها.
قد تفتح عددًا قديمًا من مجلة وأنت تبحث عن شيء محدد، ثم تجد مقالًا يأخذك إلى موضوع آخر. وقد تبدأ بكتاب بحثًا عن معلومة، فتجد نفسك تقرأه من أوله إلى آخره. وقد تصادف اسمًا كان حاضرًا بقوة في الحياة الثقافية ثم غاب من الذاكرة العامة.
هذه المتعة جزء من قيمة الأرشيف أيضًا.
أحمد عبد النبي يقوم هنا بعمل يحتاج إلى الكثير من المثابرة. جمع المواد، حفظها، رقمنتها، ترتيبها وإتاحتها للناس، كلها خطوات تبدو هادئة من الخارج، لكنها تصنع مع الوقت شيئًا مهمًا: ذاكرة يمكن الوصول إليها.
وربما لهذا السبب تستحق التجربة أن تعرف أكثر.
نحن نعيش وسط وفرة هائلة من المحتوى، لكن الوصول إلى المادة القديمة الموثوقة يظل في أحيان كثيرة أمرًا شاقًا. وما هو متاح اليوم قد يصبح أقل حضورًا غدًا إذا لم نجد من يحفظه ويصونه ويضعه في متناول الناس.
«موقع الذاكرة» محاولة لسد جزء من هذه المسافة.
والأجمل أن قيمته تزداد كلما استخدمناه. فالموقع الذي يُؤرشف ويبقى مغلقًا على نفسه يتحول إلى مخزن، أما حين يدخل إليه الباحث والقارئ والطالب والمهتم، وحين تُقرأ مواده وتُناقش وتُستعاد، فإنه يصبح جزءًا من الحياة الثقافية نفسها.
لذلك أكتب عن «موقع الذاكرة» اليوم من باب التقدير أولًا، ومن باب الدعوة ثانيًا.
تصفحوا الموقع. ابحثوا بين مواده. ربما تجدون كتابًا كنتم تبحثون عنه، أو مجلة لم تعرفوها، أو نصًا يعيد إليكم سؤالًا قديمًا، أو اسمًا يستحق أن نتذكره.
فالذاكرة أحيانًا تحتاج فقط إلى من يفتح لها الباب.
و«موقع الذاكرة» واحد من هذه الأبواب.

