للزيتونة على تونس أفضال عديدة، فإليها ينسب اخضرارها "تونس الخضراء"، وبها سمّى سكان البلاد أحد أعرق جوامعها (جامع الزيتونة المعمور) الذي انطلقت منه قوافل الفاتحين باتجاه الغرب، وصولاً إلى الأندلس "الجزيرة الإيبيرية"، مروراً بكل من الجزائر والمغرب.
تحكّم الزيتون والحبوب، وإنْ بدرجة ثانية، في غذاء سكانها، وإليه تنسب الحمية المتوسطية الشهيرة، عاش الناس على زيتها، فمنه أكلوا وباعوا وتاجروا وبنوا المداشر والقرى. ومع ذلك، حدث التحوّل الزراعي الكبير على فترتين: كانت الأولى مع أواخر القرن التاسع عشر، حيث تشكلت فئات اجتماعية واسعة من التجار التونسيين والأوروبيين، تربّحت من تجارة الزيت في المتوسط في سياقٍ عرفت فيه البلاد أزماتٍ اقتصادية حادّة، وتدخّلات مالية من دول استعمارية عديدة، وامتدّت الفترة حتى احتلال البلاد، حيث سارع إلى تشجيع غراسة الزيتون ضمن استراتيجية أمنية تحثّ القبائل على الاستقرار والتخلي عن الرعي، وقد تجبرهم للضرورة على الاستقرار. وكان النشاط الزراعي عاملاً في دعم الاستقرار والتخلي عن الترحال. كانت الزيتونة قد ساهمت في تحويل فئاتٍ كبيرة من رحّل إلى مزارعين، وكان ذلك بداية تشكل طبقية وعمرانية ميزت المشهد القروي في تونس في النصف الأول من القرن العاشرين، وظلت تلك الدينامية متواصلة حتى بعد الاستقلال. بفضل ذلك، احتلت تونس المرتبة الثانية عالمياً في إنتاج زيت الزيتون بعد إسبانيا (تنتج ضعف ما تنتجه تونس).
بعيد استقلال البلاد، بادر الرجل القوي في تونس، أحمد بن صالح (تولى خمس حقائب وزارية في وقت واحد)، وكان مهندس التجربة الاشتراكية، إلى ما يشبه تأميم ضيعات الزيتون، وضمها في ما يشبه "الكولوخوز" السوفييتية، بعد أن أمم قطاعات صناعية وفلاحية أخرى عديدة، اصطدم بمزارعي الزيتون، لأنهم أكثر التصاقاً بالشجرة من نظرائهم. لهذه الشجرة جذور، وفي الأمثال الشعبية التونسية وحكمهم وآدابهم وشعرهم الشعبي ما يعزّز ذلك الاعتقاد الذي لا يرى في الزيتونة مجرّد شجرة مثمرة، بل هي جذور وانتماء. ولا شك أن شعوباً متوسّطية أخرى تؤمن، هي أيضاً، بهذا المعتقد، تثبت صور تنتشر في الشبكات الاجتماعية أن الفلسطينيين متمسّكون بزيتونهم، لأنه الأرض، وأن اقتلاعه يدلّ على إبادة البشر هناك.
لا يزال استهلاك التونسيين لزيت الزيتون قليلاً، لأسباب تعود إلى انهيار مقدرتهم الشرائية
ورغم رسوخ هذه الرمزيات، ينسف الواقع كل ذلك المعمار الرمزي الذي شيده التونسيون خلال قرون.
ففي يناير/ كانون الثاني من السنة الماضية، احتج فلاحو القيروان التي تحوّلت المنطقة الثالثة في تونس في إنتاج الزيتون، بعد جهتي صفاقس والساحل، وهدّدوا بالامتناع عن جمع صابة الزيتون، احتجاجاً على تدنّي أسعار الزيت الذي تراجع بشكل غير مسبوق، حيث بلغ ثمن الكيلوغرام ما يناهز 3.5 دولارات، وهو سعر أقل من نصف سعر السنوات التي سبقت.
ورغم تراجع إنتاج السنة الحالية بحولى 40%، تفيد المؤشّرات الحالية بأن الأسعار ستواصل انهيارها بشكلٍ لا يمكن أن يغطي أتعاب الفلاحين. تقدّم بعض نقاباتهم سلسلة من الأعباء التي لا تجد مقابلاً لها: حراثة، تسميد، تشذيب، سقي، جمع، نقل، عصر...، وكلها تقديراتٌ دقيقةٌ تبيّن أن الأثمان المتداولة حالياً لا تفي بالغرض، بل إنها لا تغطّي التكلفة.
يرى بعضهم أن هذه الأسعار مناسبة، وهذا الكلام يصدُر عادة عن المستهلكين، إذ سيجد التونسي نفسه أمام فرصة نادرة لتطبيع علاقاته الغذائية مع زيت بلاده الذي حُرمَه سنوات طويلة، ما اضطره إلى اقتناء زيوت نباتية رخيصة الثمن تدور حولها عدة شائعات، خصوصاً أن البلد لا ينتج أي نبات زيتي غير الزيتون. ولكن رغم انخفاض الأسعار تلك، لا يزال استهلاك التونسيين لزيت الزيتون قليلاً، لأسباب تعود إلى انهيار مقدرتهم الشرائية، وبالتالي عجزهم عن شراء زيت الزيتون بكميات كافية. فاستهلاك التونسي للزيت لا يتجاوز حسب أرقام المجلس الدولي 2.6 كلغ في السنة، في حين أن استهلاك الإيطالي 7.2 والإسباني 7.5. وتظل الفئات الشعبية الواسعة غير قادرة على استهلاكه، لارتفاع سعره، رغم هذا التراجع غير المسبوق.
تحوّل زيت الزيتون التونسي من قصة نجاح إلى قصة إخفاق الدولة عن إنصاف فلاحيها
عادةً يُعتَّم على هذه الحقيقة المرّة التي لها وجهان: حرمان الفلاحين أن تكون لهم عوائد منصفة لإنتاجهم الذي ما كان لينجز لولا تلك التضحيات الكبيرة التي يبذلها صغار الفلاحين، أو حتى متوسطوهم خصوصاً. وبعض من المستغلات، عادة ما تعتمد على يد عاملة عائلية، لا تُصرَف فيها الأجور، إذ تتعاون الأسرة، الزوج والزوجة والأبناء، وحتى الأقارب على جني الزيتون، وقبل ذلك حرثه وسقيه، في ظل التغيرات المناخية الحادّة التي تمر بها البلاد. أما الوجه الآخر من هذه الحقيقة، فهو حرمان فئات واسعة استهلاك زيت بلادها، رغم أن الأسعار انخفضت حتى وصلت إلى نصف ما كانت عليه قبل عامين (كان ليتر الزيت تقريباً في حدود ستة دولارات مقابل ثلاثة دولارات هذه السنة).
يجري الالتفاف على هذه الحقيقة المرّة ذات الوجهين المؤلمين من خلال الإشادة المضخمة التي لا تخلو من دعائية، حين يُحتفى بالجوائز التي حصل عليها الزيت التونسي في مسابقات دولية. فوراء هذه النجاحات المحتفى بها، التي لا شك فيها، تُطمس الحقيقة الخانقة التي تحول فيها زيت الزيتون التونسي من قصة نجاح إلى قصة إخفاق الدولة عن إنصاف فلاحيها، وإطعام شعبها من خيرات بلده.
خلال ما يناهز عقداً ونصف عقد، دُمِّر بعض منظومات الإنتاج التونسي التي قامت عليها الزراعة في تونس: منظومة الألبان والحبوب والزيت، فضلاً عن منظومة تربية الأغنام والأبقار. لقد تراكمت عوامل عدة، لعل من أهمها غياب الحكومة، التهريب وسوء التخطيط (أزمة العلف والتلقيح وتثمين المُنتَج وتسويقه...)، وكلها عوامل كانت وسيكون لها الأثر السيّئ: هجرة داخلية للمزارعين، ليعزّزوا أحياء الفقر والتهميش في تخوم المدن، غلاء الأسعار، وندرة بعض المزروعات، في ظل عزوف المزارعين عن استغلال أراضيهم. ليست أزمة زيت الزيتون في مجرد انهيار سعره المحلي فحسب، بل أيضاً في مداخيل يجنيها الفلاحون، فضلاً عن العدالة في استهلاكه.
لا شك في أن محمود درويش لم يعنِ المزارعين الفلسطينيين فحسب، بل كل أشقائه، حين قال: لو يذكر الزيتون غارسهُ.. لصار الزيت دمعاً.
العربي الجديد

