العياشي من سجنه : إمّا أن تنتصروا للقانون والعدل، وإمّا أن تُكرّسوا العبث وتتحمّلوا مسؤليته
اخبار وطنية 1 سبتمبر 2026

العياشي من سجنه : إمّا أن تنتصروا للقانون والعدل، وإمّا أن تُكرّسوا العبث وتتحمّلوا مسؤليته

بقلم: ameurayed

توجه المعتقل السياسي العياشي الهمامي من سجنه برسالة الى رئيس الدائرة التعقيبة بمنلسبة النظر في قضية ما سمي بقضية المؤامرة هذا نصها

رسالة إلى رئيس الدائرة التعقيبية ومستشاريها

.

من المنتظر منكم هذا الأسبوع، بصفتكم محكمة القانون وأعلى درجات التقاضي، أن تمارسوا رقابتكم على الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف في ما عُرف بقضية "التآمر". وأمامكم اليوم خيار لا لبس فيه: إما أن تضعوا حدًا للعبث الذي أحاط بهذا الملف وتنقضوا الحكم انتصارًا للقانون والعدالة وحقوق الإنسان، وإما أن تضفوا الشرعية على هذا العبث ليصبح قراركم النهائي خاتمة له ومصادقة عليه.

ولذلك، فإنني أوجّه إليكم هذه الرسالة من سجني بالمرناقية، محمّلًا إياكم، رئيسًا وأعضاءً للدائرة، المسؤولية كاملة أمام ضمائركم وأمام التاريخ.

لقد شهدنا، طوال مختلف مراحل هذه القضية، خروقات وانتهاكات جسيمة لا تُحصى. ومن هذا المنطلق أجد نفسي مضطرًا إلى مخاطبتكم، لا بصفتي متهمًا فحسب، بل أيضًا بصفتي شخصًا كرّس جزءًا كبيرًا من حياته للدفاع عن مبادئ دولة القانون، وفي مقدّمتها قضاء مستقل يوزّع العدل بين المواطنين بعيدًا عن الإملاءات والتجاذبات السياسية.

فما سُمّي بقضية "التآمر"، سواء من حيث سياقها أو ظروفها أو مضامينها أو طريقة إدارتها، يكشف منذ بدايته عن محاكمة سياسية بامتياز، تذكّر بمحاكمات عرفتها تونس في فترات الاستبداد. فقد استُخدمت فيها أجهزة الدولة لاستهداف معارضين لم يكن ذنبهم الحقيقي سوى التعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم وحرياتهم والدفاع عن قناعاتهم. وكلما تعمّقنا في تفاصيل هذا الملف، ازددنا يقينًا بأن القانون كان الضحية الأولى، وأن التوظيف السياسي ظل حاضرًا في مختلف مراحله، بما حوّل القضاء إلى أداة للترهيب وتكميم الأصوات المخالفة.

أنتم اليوم بصدد النظر في واحدة من أخطر القضايا في تاريخ البلاد الحديث، ليس فقط بسبب حجم التدخل السياسي الذي رافقها ووجّه مسارها، بل أيضًا لأنها شملت شخصيات تنتمي إلى اتجاهات فكرية وسياسية متنوعة، مارس أصحابها حقوقهم المكفولة قانونا. كما أنها أفرزت سوابق خطيرة مست جوهر المحاكمة العادلة، وفي مقدّمتها حرمان الموقوفين من حقهم في الحضور الفعلي أمام المحكمة والدفاع عن أنفسهم مباشرة أمام القاضي وأمام الرأي العام.

إنها قضية ستظل حاضرة في الذاكرة الوطنية والقضائية، وستبقى مسؤوليتكم فيها استثنائية بكل المقاييس. وما ستصدرونه من قرار لن يقتصر أثره على أطراف هذه القضية. فالحق واضح، والباطل واضح، وأنتم اليوم في موقع الفصل بينهما.

ومن المعلوم أن المشهد القضائي خلال السنوات الأخيرة شهد تراجعًا خطيرًا في ضمانات استقلال القضاء وحياده، إثر إجراءات مست جوهر هذه الاستقلالية، وفي مقدمتها حل المجلس الأعلى للقضاء. وقد تابعت هذا الواقع عن قرب، بصفتي رئيس هيئة الدفاع عن زملائكم القضاة المعفيين، وشهدت كيف أسهم ذلك في إضعاف دور القضاء والإنحراف به عن رسالته الأصلية.

وهذا هو السياق نفسه الذي جرت فيه محاكمتنا. والخطر اليوم لا يكمن فقط في الضغوط المسلطة على القضاة، بل في أن نتائج تلك الضغوط تتحول إلى أحكام تنتج المزيد من المظالم، وتصادر الحريات، وتقضي على التعددية، وتفرغ فكرة الإنصاف من مضمونها. فمن يتولى الحكم بين الناس لا بد أن يكون على مستوى القسم الذي أداه والمسؤولية التي حمّلها لنفسه.

السيد رئيس الدائرة التعقيبية، السيدات والسادة المستشارون،

أنا العياشي الهمامي، أخاطبكم من داخل سجني بالمرناقية، وأحمّلكم المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية الكاملة في التعامل مع هذا الملف وفق ما يفرضه القانون وما تقتضيه رسالة القضاء وقيمه.ولستم بحاجة إلى من يذكّركم بأحكام القانون أو بمقتضيات قسم القاضي. فأنتم تعلمون جيدًا ما شاب هذا الملف من تجاوزات وما لحق ضمانات المحاكمة العادلة من انتهاكات. ولذلك لا مجال للادعاء بعدم العلم، ولا للتذرع بالغموض أو الالتباس، ولا لإلقاء المسؤولية على أي جهة أخرى.

إنّ المساس باستقلال القضاء وحياده لا يرفع عن القاضي مسؤوليته، بل يضاعفها. فالقاضي ليس شاهدًا محايدًا على الظلم، بل صاحب واجب قانوني وأخلاقي يفرض عليه الانتصار للعدل ورفض توظيف القضاء لخدمة أي مشروع استبدادي.

إنكم اليوم أمام لحظة فاصلة. فإما أن يتوقف هذا العبث عند عتبة محكمتكم، وإما أن يُكرّس بحكم يصدر باسمكم فالحُكم سيحمل أسماءكم وأسماءكم سيحتفظ بها التاريخ. أما الخيار فهو لك وأما المسؤولية فهي عليكم. وأما حكم التاريخ، ذلك الحكم الذي لا يقبل الطعن ولا التعقيب، فهو وحده من سيكتب الكلمة الأخيرة.

العياشي الهمامي

سجن المرناقية

شارك هذا المقال:

العياشي من سجنه : إمّا أن تنتصروا للقانون والعدل، وإمّا أن تُكرّسوا العبث وتتحمّلوا مسؤليته | أنساق