يُمثّل تاريخ 8 جانفي 2025 منعرجاً لافتاً في المشهد السياسي التونسي، حيث سُجّل في ذلك اليوم آخر لقاء رسمي معلن بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ووزيرة العدل ليلى جفال المعينة منذ أكتوبر 2021. هذا الانقطاع الطويل في اللقاءات المباشرة، والذي تجاوز العام والنصف، أخرج الشائعات حول الخلافات بين الطرفين من سياق التكهنات الافتراضية، ليمنحها وجاهة سياسية يبني عليها المراقبون فرضيات معقدة حول توازنات السلطة الحقيقية في تونس.
## غياب بروتوكولي يغذي فرضية الخلاف
لطالما سارت السلطة في تونس منذ جويلية 2021 على إيقاع اجتماعات دورية مكثفة وموثقة بالصوت والصورة بين الرئيس ووزراء السيادة، وتحديداً وزيرة العدل التي تدير ملفات الملاحقات القضائية الحساسة. بناءً على ذلك، فإن توقف هذه الاجتماعات فجأة دون تقديم أي تبرير، يطرح تساؤلات جوهرية:
* صمت الاتصال الرسمي: لم يصدر عن مؤسسة الرئاسة أو وزارة العدل أي توضيح أو نفي للتقارير الإعلامية التي تتحدث عن جفاء أو خلافات حادة حول إدارة المرفق القضائي.
* جمود التوجيه المباشر: غياب "فيديوهات قرطاج" التوجيهية الخاصة بقطاع العدالة يُفسّره محللون كعلامة واضحة على تباين الرؤى بين قرطاج وباب بنات حول نسق وفلسفة المحاكمات الجارية.
فرضية العجز عن العزل وتوازنات القوى الخفية
في ظل هذا "التباعد المعلن"، تذهب القراءات السياسية الأكثر جرأة إلى تفسير استمرار ليلى جفال في منصبها، رغم الإقالات العاصفة والمفاجئة التي طالت رؤساء حكومات ووزراء داخلية ودفاع طوال الأشهر الماضية، كدليل على معطى مغاير تماماً:
* الحزام الصلب خلف الوزيرة: تشير قراءات متقاطعة إلى أن وزيرة العدل قد لا تستمد استمراريتها من الرضا الرئاسي الحالي، بل من تزكية وتأييد جهات ومؤسسات حقيقية نافذة داخل الدولة تعتبر الوزيرة صمام أمان لاستقرار المقاربة الأمنية والقانونية. [5]
* حدود القرار الرئاسي: وفقاً لهذه الفرضية، يجد رئيس الجمهورية نفسه أمام "فيتو صامت" يمنعه من إقالة جفال، حيث أن تكلفة عزلها قد تؤدي إلى اختلال التوازنات مع الأجنحة الصلبة الماسكة بمفاتيح السلطة الفعلية، مما جعل "تجميد اللقاءات المباشرة" الحل البديل للتعبير عن عدم الرضا دون الدخول في مواجهة مفتوحة.
بين واقع رقمي يثبت غياب اللقاءات منذ مطلع 2025، وصمت رسمي مطبق يرفض النفي أو الإثبات، تحولت علاقة قيس سعيد بوزيرة عدله إلى مرآة تعكس صراعاً مكتوماً بين أجنحة السلطة، وتطرح تساؤلات كبرى حول من يمسك فعلياً بزمام المبادرة في لُعبة الحكم التونسية.

