ليس هذا الكلام تثبيطا للعزائم ولا إنكارا لجهود معارضي الانقلاب، ذلك أنني لست عدميا ولا من أولائك الذين لا يرتضون الأ نسبة 100% في كل شيء.
لكنني أدعو إلى التسديد والمراجعة والتدارك والتراكم.
مضى على الانقلاب خمس سنوات، والمعارضة تكاد لم تتقدم خطوة في الإجابة عن أسئلة مفتاحية، يتوقف ما بعدها على صحة ودقة الإجابة على بعضها، كما يتوقف تجديد الثقة وشحن الارادة على بعضها الآخر.
- السؤال الأول: من هو قيس سعيد؟
كان الخطأ الجسيم ان الطبقة السياسية لم تسأل هذا السؤال طيلة عشرية الانتقال الديمقراطي، وقيس يتمدد في فراغها، وينتعش من خلافاتها، لا بل انه يراكم صورته الإيجابية على يديها ومن خلال مؤسساتها.
يجلس مع الجميع على تناقض مشاربهم، ويعطي لكل طرف الوجه المحبب له، ويصنع الصداقات مع الجميع بكل تناقصاتهم، ويخصص لكل منهم ما يحتاجه من الوقت، وما يطمئنه من القول والسلوك، وما يشعره بأنه الأقرب إليه من غيره.
ولما بدأ الناس ينتبهون إلى انهم وقعوا في فخ، لم يجتهدوا في فك "اللغز" وحتى بعد الانقلاب ومرور خمس سنوات كاملة لا زال قيس سعيد كائنا مجهولا!
قرات الكثير عن شخصية قيس, ولكنها كلها من قبيل التحليل الظاهري لشخصيته, أو تقديم معلومات غير موثفة حوله.
والنتيجة لا نملك لحد الآن "ملفا موثقا" يجيبنا عن سؤال: من هو قيس سعيد؟
- السؤال الثاني: من يحكم تونس بعد الانقلاب؟
خمس سنوات والمثقفون والسياسيون المعارضون للانقلاب لا يرتقي افضلهم في جوابه عن هذا السؤال إلا إلى المقاربات التحليلية لبعض فواعل الحكم، لكن تقديم المعلومات الموثقة مفقود، وتقديم تحاليل علمية موثقة مفقود.
- السؤال الثالث: ما البديل؟ ماذا اعددت لليوم التالي؟
تعرف المعارضة انه مهما كانت جريرة الانقلاب، فإنه ما كان ليحدث لو لم تكن الاوضاع قبل قد هيئت له ذلك على مستوى الحكم،. والمعارضة تعرف أن الشعب يحمل نفس الانطباع على تلك الفترة، وانه ما لم تتقدم المعارضة ببديل ليس فقط على ما قدمه الانقلاب، ولكن أيضا على ما مهد الطريق للانقلاب، فإن الشعب لن يساندها، ولن تكون لديه روح المقاومة للانقلاب، ذلك انه لا تغيير إلا بأمل في التجديد والجديد، ولا تجديد بدون تجديد في البرامج والرجال.
النخبة التونسية كسولة، ولا تصبر على العمل الجاد الذي يقتضي جهدا فكريا مضنيا، ووقتا تستثقل إنفاقه وهي بعيدة نوعا ما عن "التقافز" في الساحة، وتستعذب في المقابل "الثرثرة" التي تستسهل الحديث عن النقد والتقييم والتعويم والكلام المكرر. يكتب أحيانا البعض خطابا تصعيديا يجب ان يكون له ما بعده، غير انك تفاجأ في اليوم التالي بانه يكتب نصا يطلب (يناشد) من الانقلاب تحقيق مطالب ثانوية!
خطاب يقول ولا يفعل، أو كلاما يلاك ولا ينتج فعلا،
خطابا لا يتجرأ حتى على النقد الذاتي ويفضل في المقابل المثل التونسي "شنڨة مع الجماعة خلاعة".
احمد عبد النبي

