بعد طردها من الساحل الأفريقي.. كيف بدأت فرنسا عودتها العسكرية عبر تشاد؟
عالمية 14 أكتوبر 2026

بعد طردها من الساحل الأفريقي.. كيف بدأت فرنسا عودتها العسكرية عبر تشاد؟

بقلم: ameurayed

كشفت صحيفة «لوموند» أن عسكريين فرنسيين عادوا بصورة محدودة إلى تشاد منذ صيف العام الجاري لتدريب وحدات من جيشها، بعد انسحاب القوات الفرنسية من البلاد مطلع 2025، في تطور تزامن مع توقيع إعلان جديد لتعزيز التعاون الدفاعي بين باريس ونجامينا.

وجاء الكشف عقب استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره التشادي محمد إدريس ديبي في قصر الإليزيه، الثلاثاء، حيث وقع وزيرا الدفاع في البلدين إعلان نوايا لتطوير التعاون في مجالات التدريب والخبرات والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.

ونقلت «لوموند» عن مصادر تشادية، بينها عسكرية، أن نحو 20 عنصرا فرنسيا بدأوا منذ أوائل الصيف تدريب قوات تشادية في مركز موسورو وميدان الرماية في ماساغيت، شمالي العاصمة نجامينا.

وأفاد ضابط تشادي بأن التدريبات تشمل عناصر من قوة التدخل السريع، وهي وحدة نخبوية أنشئت أواخر 2023 وتتولى، ضمن مهامها، حماية الرئيس ديبي.

وبحسب الصحيفة، لم يتوقف التعاون الاستخباراتي بين البلدين بصورة كاملة خلال 2025، رغم القطيعة العسكرية المعلنة، واستمر خصوصا في مواجهة الجماعات المسلحة بمنطقة بحيرة تشاد. كما شارك فريق من المختصين بالإطفاء في الجيش الفرنسي في تدريب تشاديين خلال الصيف.

وفي تطور آخر، تسعى باريس إلى استعادة إمكانية استخدام قاعدة «أدجي كوسي» الجوية في مطار نجامينا، بعدما أخلتها مطلع 2025.

وكانت «لوموند» كشفت في حزيران/ يونيو أن الجيش الفرنسي يرغب في استخدام القاعدة لهبوط الطائرات العسكرية وإقلاعها عند الحاجة، دون إعادة الانتشار الكبير والدائم الذي سبق الانسحاب.

وتبحث فرنسا أيضا تزويد الجيش التشادي بمروحيتين وطائرة لنقل القوات، إلى جانب إمكان عودة طائرات استطلاع فرنسية، لكن هذه الترتيبات لا تزال قيد البحث ولم يُعلن تنفيذها.

ونقلت «لوموند» عن مصدر عسكري فرنسي أن باريس تريد إحياء التعاون تدريجيا وبحذر، بينما شدد ضابط تشادي رفيع على ضرورة تأسيس الشراكة الجديدة على أسس واضحة ومصالح متبادلة، خلافا للمرحلة السابقة التي رأى أن الفرنسيين تعاملوا خلالها مع تشاد كما لو كانت تابعة لهم.

خروج من الساحل وعودة عبر تشاد

تأتي التحركات بعد سلسلة انسحابات قلصت الحضور العسكري الفرنسي في الساحل الأفريقي. ففي آب/ أغسطس 2022، اكتمل انسحاب قوة «برخان» من مالي بعد تدهور العلاقات مع السلطات العسكرية هناك.

وفي 2023، غادرت القوات الخاصة الفرنسية بوركينا فاسو عقب إنهاء اتفاق وجودها العسكري، ثم انسحبت القوات الفرنسية من النيجر بحلول كانون الأول/ ديسمبر، بعد الانقلاب العسكري والخلاف بين باريس والمجلس الحاكم.

ورافقت هذه الانسحابات احتجاجات على الوجود الفرنسي وانتقادات لنتائج العمليات العسكرية في مواجهة الجماعات المسلحة، إلى جانب توجه السلطات الجديدة إلى تنويع الشراكات الأمنية.

أما تشاد، فكانت آخر مرتكزات فرنسا العسكرية الدائمة في المنطقة. ورغم العلاقة الطويلة بين باريس وأسرة ديبي، أعلنت نجامينا في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 إنهاء اتفاق التعاون الدفاعي، وتسلمت آخر قاعدة فرنسية في 30 كانون الثاني/ يناير 2025، بعد انسحاب نحو ألف جندي فرنسي. وقدمت السلطات التشادية القرار باعتباره خطوة لتعزيز سيادتها وتنويع حلفائها.

غير أن التقارب عاد إلى الواجهة خلال لقاء ماكرون وديبي في الإليزيه أواخر كانون الثاني/ يناير 2026، ثم لقاء آخر في نيروبي خلال أيار/ مايو. وسبق توقيع إعلان الثلاثاء تنظيم منتدى اقتصادي فرنسي تشادي في باريس خلال أيلول/ سبتمبر، تضمن تفاهمات في مجالات النقل والطاقة والصحة والتعليم.

وتربط «لوموند» عودة ديبي إلى الشريك الفرنسي بتصاعد المخاطر الأمنية على حدود تشاد، ولا سيما تداعيات الحرب في السودان والتوترات مع النيجر وأفريقيا الوسطى، فضلا عن صعوبة تعويض بعض الخدمات العسكرية والاستخباراتية الفرنسية عبر شركاء آخرين.

علاقات مع الاحتلال ودول أخرى

وكانت تشاد قد وسعت علاقاتها مع الإمارات وتركيا وروسيا، لكن مصادر الصحيفة اعتبرت أن هذه البدائل لم تلب احتياجاتها بالكامل.

ويزيد الملف السوداني تعقيد الحسابات التشادية، في ظل اتهامات سودانية لنجامينا بتسهيل وصول دعم إلى قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها السلطات التشادية.


وتحتفظ تشاد أيضا بعلاقات أمنية مع الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ زار ديبي الأراضي المحتلة في شباط/ فبراير 2023 والتقى بنيامين نتنياهو ومسؤولين في الموساد.

وذكرت رويترز أن مسؤولين إسرائيليين بحثوا معه مخاوفهم من نفوذ إيران وحزب الله في الساحل، دون أن تتوافر معلومات موثقة عن دور إسرائيلي في التفاهمات الفرنسية التشادية الجديدة.

تحذيرات من تبعية جديدة

ورصدت «عربي21» تحليلات فرنسية وأفريقية تناولت منذ الصيف مؤشرات العودة العسكرية الفرنسية إلى تشاد، وحذرت من احتمال تجدد اعتماد نجامينا الأمني على باريس، ومن تداعيات التقارب على علاقاتها مع دول الساحل.

وفي تحليل نشره معهد الدراسات الأمنية الأفريقي بـ19 آب/ أغسطس، اعتبر الباحث ريمادجي هويناثي أن تجدد التعاون يكشف مصالح مشتركة، لكنه يضع خطاب السيادة الذي رافق طرد القوات الفرنسية أمام اختبار حقيقي.

وحذر هويناثي من احتمال عودة الاعتماد المفرط على الدعم العسكري الفرنسي، ومن أن تنظر مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى تشاد مجددا باعتبارها أداة للنفوذ الفرنسي.

كما دعا إلى ألا يتحول التعاون الخارجي إلى ضمانة لحماية النظام الحاكم على حساب معالجة الأزمات السياسية والأمنية الداخلية.


ومن الجانب الفرنسي، رأت الباحثة ماريز توركاس، في تحليل نشره موقع «لي زيو دو موند» في أيلول/ سبتمبر، أن باريس تتحرك وفق نموذج يقلص القواعد الدائمة ويركز على التدريب والاستخبارات والانتشار المحدود.

وأشارت إلى أن التعاون قد يفيد الصناعات الدفاعية الفرنسية ويعيد لباريس منفذا جويا استراتيجيا في وسط أفريقيا.


وفي صحيفة «لو بايي» التشادية، كتب الصحفي إريك توبونا مطلع تشرين الأول/ أكتوبر أن التقارب الاقتصادي المعلن ترافق مع عودة حذرة للتعاون الأمني، مشيرا إلى زيارات ضباط فرنسيين لتقييم احتياجات الجيش التشادي خلال نيسان/ أبريل. واعتبر أن باريس تسعى إلى حضور أقل ظهورا من نموذج قواعدها العسكرية السابقة.


أما معهد تمبكتو السنغالي، فرصد في دراسة نشرها خلال تموز/ يوليو اعتراضات لناشطين من تشاد ودول تحالف الساحل، رأى بعضهم أن نجامينا قد تتحول إلى نقطة ارتكاز لاستعادة النفوذ الفرنسي.

صحيفة «لو بايي» التي تصدر من بوركينا فاسو، قالت في افتتاحية نشرتها الأربعاء بعنوان «عودة دون ثكنات»، إن باريس تستعيد حضورها عبر التدريب والخبرات والتكنولوجيا، لا من خلال استعادة قواعدها القديمة.

وأثارت تساؤلات بشأن غياب تفاصيل تكاليف التعاون وجدوله الزمني والرقابة البرلمانية عليه، ومدى توافقه مع خطاب السيادة الذي تبنته نجامينا عند طرد القوات الفرنسية.

العربي 21

شارك هذا المقال:

بعد طردها من الساحل الأفريقي.. كيف بدأت فرنسا عودتها العسكرية عبر تشاد؟ | أنساق