تثبت الاحداث الاخيرة في تونس ان المشهد السياسي لا يزال يدار بعقلية الازمات والرسائل المبطنة. فالتسريبات الاخيرة التي روجت لها #وسائل اعلام #ايطالية حول صحة الرئيس، والتي بدت لي وعدة مراقبين كسيناريو غامض او موظف بدقة، لم تكن مجرد اشاعة عابرة، بل تحولت سريعا الى اداة سياسية بامتياز. وجاء الرد الميداني سريعا عبر زيارة الرئيس المتلفزة الى منشات تزويد المياه، ليعيد رسم صورة الرئيس الحاضر في تفاصيل يوميات الشعب، محولا الشائعة من نقطة ضعف محتملة الى منصة لتاكيد السيطرة واحراج الخصوم. الا ان هذا المشهد يخفي وراءه واقعا ثلاثي الابعاد يتسم بالانهاك والانسداد: اولا: سلطة متعبة كانها تبحث عن الشرعية اليومية رغم امساك السلطة الحالية بزمام المبادرة وقدرتها على تفكيك جبهات الخصوم، الا انها تبدو سلطة متعبة. فالادارة اليومية للدولة تواجه تحديات هيكلية ضخمة، من ازمات شح المياه والطاقة الى الصعوبات الاقتصادية الخانقة. وتتحول الزيارات الميدانية المفاجئة احيانا من اداة للمحاسبة الى مؤشر على ان الدولة تدار بجهد فردي مركز، مما يرهق مؤسسات الرئاسة ويجعلها في مواجهة مباشرة ودائمة مع اي تقصير خدمي. ثانيا: معارضة هشة تفتقد البديل في المقابل، تعيش المعارضة التونسية بمختلف اطيافها حالة من الهشاشة غير المسبوقة. لقد عجزت النخب السياسية التقليدية والجديدة على حد سواء عن انتاج خطاب بديل يقنع الشارع، وظلت ردود افعالها رهينة المناسبات والتسريبات دون القدرة على النزول الى الارض او تقديم حلول عملية. هذا الشتات التنظيمي والفكري جعل المعارضة تبدو في نظر الكثيرين كظاهرة صوتية فاقدة لثقة الجماهير. ثالثا: شعب يعاني من البلوكاج والانتظار بين مطرقة السلطة المنهكة وسندان المعارضة الهشة، يقبع الشعب التونسي في حالة بلوكاج وانسداد حقيقي. المواطن اليوم بات غريبا عن المعارك السياسية الفوقية، حيث تتركز اهتماماته الاساسية حول لقمة العيش وتوفر المواد الاساسية وجودة الخدمات كالماء والكهرباء. هذا الانسداد ولد حالة من الانكفاء الاجتماعي والزهد في الشأن العام، حيث يشعر الشارع بان المسار السياسي الحالي، رغم شعاراته، لم يترجم بعد الى انفراج اقتصادي ملموس. :خلاصة التحليل تعيش تونس اليوم معادلة صفرية بامتياز، سلطة تستهلك طاقتها في اثبات حضورها ومواجهة الشائعات، ومعارضة عاجزة عن تشكيل بديل حقيقي، وشعب معلق في منطقة رمادية من الانتظار، يعاني من انسداد الافق معيشي في انتظار حلول تتجاوز مجرد ادارة الازمات الاعلامية. عادل سبيعي

مقالات راي 19 جويلية 2026
تونس: بين سلطة عاجزة ومعارضة ساذجة ومشتتة وشعب لامبالي
بقلم: ameurayedشارك هذا المقال:
