تونس.. توازن الضعف وسؤال الاقتصاد
مقالات راي 30 أكتوبر 2026

تونس.. توازن الضعف وسؤال الاقتصاد

بقلم: ameurayed

محمد بشير البلطي

تدخل تونس سنة سياسية واقتصادية جديدة لا تختلف عن سابقاتها منذ تحوز الرئيس قيس سعيد على كافة الصلاحيات في إدارة دواليب الدولة، تحت عنوان الأنا السياسية المتضخمة التي لا ترى في محيطها من الشخصيات والأحزاب والمنظمات سوى غبار يحجب الرؤية أمام إنجازات اقتصادية طال انتظارها.

وتعتبر هذه الفترة من حيث التقاليد السياسية وحتى المالية هي المحدد لملامح توجهات الدولة الاقتصادية مع بداية تشكل ملامح ميزانية الحكومة لسنة 2027 في سياق محلي واقليمي ودولي تتجاذبه الإخفاقات المحلية والتوترات الدولية، فيما تتزاحم الأسئلة في أذهان الملاحظين والمتابعين للوضع الداخلي التونسي عن أسباب هذا الجمود الذي ينتج في كل مرة دورة سياسية واقتصادية جديدة أكثر فشلًا من ما قبلها.

ملامح المرحلة الحالية في تونس تقوم على ثلاث محددات أساسية، رئيس يحكم وشتات من المساندين يقل حجمهم في كل مرة، ومعارضة تجمعها عبارة المعارضة وتفرقها العناوين الرئيسية والقدرة على الفعل، واقتصاد يراوح مكانه على مستوى أرقام النمو وارتفاع تكلفة المعيشة.

ويبدو أن هذه المحددات هي بمثابة الجزر المعزولة عن بعضها البعض في غياب تام للغة مشتركة بعد محاولة سعيد قتل الحياة السياسية وتحميلها أسباب الفشل السابق واللاحق لاستيلائه على السلطة بشكل كامل بعد 25 جويلية/يوليو 2021. 

ومن أسباب هذا الصمت القاتل للحياة العامة هو القضاء على النقاش العام حول القضايا الشائكة التي مرت وتمر بها البلاد انطلاقًا من صيف أرق التونسيين بانقطاعات متكررة للكهرباء والماء، وصولًا إلى إعداد ميزانية دولة تحت ذات العناوين وهي الترفيع في دعم الشركات الأهلية، وهي أحد مشاريع الرئيس الانتخابية، وصولًا الزيادة في ميزانية رئاسة الجمهورية دون موجب ضروري أو ملح، ومواصلة سياسة التداين الداخلي من البنك المركزي التونسي. 

ولم تكن هذه المعطيات لتمر هكذا دون نقاش عام في فترة الإنتقال الديمقراطي بعد 2011 بل أن النقاش وقتها كان يتجاوز حدود التداول حول الحلول الأمثل للخروج بميزانية ناجعة إلى إرباك وتعطيل وتداخل غريب بين السياسة والمال سرع في عملية الإنهيار التي أتت بعد ذلك. 

وما نجح فيه الرئيس التونسي الحالي هو إلغاء دور كل الوسائط وأهمها الإعلام في فتح منابره للتداول حول من يرسم ملامح المرحلة القادمة وكيف يمكن فتح آفاق جديدة للتونسيين بداية من توفير أساسيات الحياة التي تحترم مواطنتهم وصولًا إلى رفع القيود عنهم وترك لعب دور الوصاية عليهم ليحددوا بنفسهم من يستحق أن يمثلهم في إدارة محلياته وصولًا إلى رئاسة الجمهور ية

إن حالة الاستقرار الهش هي شكل من الحكم وقد مرت تونس بمثل هذه التجارب في السابق ومعلوم كيف كانت نتائجها، لأن سياسة لا تنجز هي سياسة عمياء لا ترى حجم تأثير تعنتها على المجتمع وعلى سير دواليب الدولة وهي بمثابة تناول مسكن لإطالة عمر الحكم على أمل أن يتغير شيء ما، حيث أصبحت تصريحات الرئيس حول الإنجازات القادمة بمثابة محاولة لتحقيقها في أذهان الجماهير دون وجودها على أرض الواقع انطلاقًا من فكرة سابقة يصل فيها الشعب والرئيس إلى مرحلة التماهي التام وأن ما يريده الشعب سيحققه بنفسه، بينما تقول الوقائع عكس ذلك أي أن الرئيس يكرر خطابه بينما ينتظر الشعب من السلطة ومن فوقها الدولة أن تعالج مشكاله الحقيقة التي لم تعد متعلقة فقط في غلاء المعيشة بل تجاوزتها إلى توفر متطلبات الحياة الكريمة.

هذا المناخ العام تناسلت فيه ريش الجميع بما فيه السلطة الحالية التي حجمت دور الوسائط السياسية، لكنها بفعل الوقت حجمت مكانتها أيضًا لدى جزء هام من مناصريها والملتقين معها لأسباب سياسية أو أيديولوجية، وضع خلق حالة من توازن الضعف على خلاف السنوات الأولى التي تملك فيها سعيد مقاليد الحكم وخلق حالة اكثر هشاشة، وكأننها في سياق مرحلة تسيير أعمال لدواليب الدولة حيث يغيب القرار والفعل الذي يقدم حلولًا آنية لمشاكل قديمة.

وتأتي السنة المالية القادمة ربما أكثر صعوبة لأن السلطة مطالبة بمعالجة أزمة توفر الطاقة الكهربائية والإجابة على سؤال كيف ستتصرف في الارتفاع الكبير لأسعار المحروقات في الأسواق العالمية والحال أن الحكومة وضعت تقديرات لا تتناسب مع الأسعار المتداولة، بالإضافة الى تواصل ارتفاع مديونية الدولة داخليًا وخارجيًا.

غياب النقاش العام

أسباب الهشاشة العامة كانت واضحة منذ استفراد الرئيس قيس سعيد بالمشهد السياسي وتراجع ثقة الجمهور بالفاعلين من الأحزاب والمنظمات لكن هل يمكن معالجة الهشاشة بمزيد من الهشاشة؟ بمعنى هل يمكن معالجة اقتصاد هش يقف على أرضية لا استقرار فيها ولا صلابة لمحركاتها الأساسية، أي الاستثمار والمالية العمومية وأسعار الطاقة، بمشهد سياسي ضعيف وضيق لأفق النقاش العمومي الذي ترفضه السلطة خوفًا من النزول من على الشجرة، ولا تملك المعارضة إرادة إدارته لضعف في مكوناتها واختلافاتها التكتيكية التي لم تتخلص منها رغم ما نالها من تشويه وتهميش.

ويبدو أن كل الفاعلين يعولون على عامل الوقت فالسلطة تنتظر إنجازات تثبت بها أحقيتها في المواصلة وتنتظر المعارضة وصول الاحتقان إلى الطبقات الشعبية والاستثمار شرعيًا في احتجاجات شعبية قد تأتي في أي وقت من خريف و تونس وشتائها

غير أن تعميق النظر في المشهد التونسي يبين في قراءة أولى أن المتحكمين في المشهد ليسوا من يظهرون علنا فقط، ذلك أن تقاليد الفعل السياسي في تونس وجزء من التحولات الكبرى في محطاتها الهامة وآخرها ما حدث في 2011 و2021، يظهر أن القوى الصلبة داخل الدولة والفاعلين الإقليميين والدوليين هي ربما الأكثر فاعلية خاصة في دعم إرادة استدامة الاستقرار حتى وإن كان هشًا.

غير أن أزمة الطاقة في الصائفة الماضية أظهرت حدود هذا الدعم وأكدت على أهمية أن البحث عن مخرج داخلي لازمة سياسية بدأت تتعمق أكثر فأكثر وتؤثر بدورها على إرادة التغيير الاقتصادي، ولعل أمثلة القرارات المالية والاقتصادية أحادية الجانب أثبتت محدودية مخرجاتها ومنها قانون الصكوك المالية الذي سن على عجل دون إدارة حوار فعلي كان يمكن أن يحل أزمة فئات اجتماعية دون أن يعكر الحركة المالية والاقتصادية في البلاد .

لذلك يصبح النقاش العام في تونس قضية عاجلة ليس لإنقاذ سلطة تتخبط بل لبناء مرحلة جديدة قد لا تكون مرحلة الديمقراطية الكاملة ولا الحريات المثالية ولكنها مرحلة استعادة المبادرة السياسية لمكونات المجتمع السياسي والمدني تحت عنوان وقف نزيف الوضع الاقتصادي واستعادة قدرة الدولة ولو مرحليًا على تأمين الخدمات الأساسية وأولها الإجابة على سؤال كيف ستتعامل السلطة مع تقلب أسعار الطاقة وكيف ستعد لصيف 2027 من حيث توفير الطاقة الكهربائية وطاقة المياه.

ويبدو أن مسيرة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 هي مؤشر على أن الوعي بالمخاطر الماثلة نتيجة مرحلة الجمود والتصحر بدأ يتأكد لدى جزء هام من الطبقة السياسية والمدنية دون أن ينتهي إلى مشروع مشترك قد يقنع جماهير الغاضبين المقاطعين للحياة السياسية في حال تغيير في موازين القوى، ودون التخلي أيضًا عن طريقة التنفيس المتباعدة عن غضب ما دون وضع السيد مباشرة عن أسباب الفشل العام الذي تمر بها البلاد من أكثر من خمس سنوات .

الترا تونس

شارك هذا المقال:

تونس.. توازن الضعف وسؤال الاقتصاد | أنساق