ودّع التونسيون صيفهم، وها هم يستقبلون أولى أيّام خريفهم الآسن الذي تزامن مع تراجع خفيف في الحرارة التي كانت هذه السنة قياسية، ولكنّها أيضاً قاسية. يتحدّث رئيس المنظّمة الوطنية للأطبّاء الشبّان، في بلاغات (بيانات) رسمية، عن عشرات الذين قضوا نحبهم بضربة شمس أو لأسباب أخرى تعلّقت بحالات ضيق التنفّس واضطرابات ضغط الدم. كذلك جاءت تقارير حقوقية عديدة عن موت بعض المساجين اختناقاً تحت وطأة الحرارة وضيق التنفّس، في ظروف إقامة يعرف الجميع أنّها تتّسم بالاكتظاظ وغياب الحدّ الأدنى من المرافق الضرورية.
لا تأتي المصائب فرادى، غير أنّها في تونس اختارت هذه السنة أن تأتي مجتمعةً حيناً، ومتعاقبةً متضافرةً حيناً آخر. ففي الوقت الذي بلغت فيه درجة الحرارة 48 درجة، وهي درجة قياسية، شهدت البلاد انقطاعاً متكرّراً للكهرباء والمياه، مع اختفاء شبه تام للمياه المعدنية. تعلّم التونسيون خلال السنوات السبع الماضية الركض والوقوف في طوابير طويلة، ولكن قلّما ينصاعون إلى جلّ ترتيباتها. ثمّة دوماً من يفسد عليهم صورة الشعب المتحضّر في اللحظات الأخيرة.
يخرج شخصٌ مفتول العضلات من الطابور ويتقدّم، وقلّما يقدّم اعتذاراً أو حتّى تبريرات واهية. جسده هو الرخصة الوحيدة لكلّ التجاوزات، علاوة على لسانه الحادّ مثل شفرة حلاقة أو أكثر. يجري الناس وراء شاحنات تحمل قوارير المياه المعدنية، ويتدخّل الأمن لتفادي الاشتباكات العنيفة بين أفراد تلك الجموع المنفلتة. شاهدنا حشوداً تجري وراء تلك الشاحنات من أجل الفوز ببعضها. يستعدّ الجميع لارتكاب جميع المحظورات، بما فيها النشل والنطر وحتّى الخطف. عادةً لا يقاوم سائقو الشاحنات هذه الجموع خشية الأسوأ.
ثلاثة أشهر انقضت تقريباً على الوتيرة نفسها، من دون أن يثير هذا ما يوازيه من احتجاج مُفترَض. الشيء الوحيد الذي يثير الانتباه ربّما جرعة الجرأة التي يعبّر بها ناس بسطاء عاديون من "عامة الشعب"، كما يقال، عن قرفهم ممّا يجري في البلاد التي، على الرغم من شحّة مواردها والأزمات التي مرّت بها في العقدَيْن الأخيرَيْن، ظلّت محتفظةً بقدرتها على توفير هذه الحاجات الأساسية.
لا جديد في خطاب السلطة التي ظلّ الرئيس قيس سعيّد صوتها الوحيد في هذه الأزمة. لم يستمع الناس إلى أيّ عضو من أعضاء الحكومة لتفسير ما يجري، خصوصاً في مسألة انقطاع الماء والكهرباء. فوزيرة الاقتصاد والصناعة، التي تنضوي تحت وزارتها الشركة الوطنية للكهرباء والغاز، أُقيلت منذ أكثر من نصف عام، ولم يُعيّن خَلَف لها.
أمّا وزير الفلاحة، فإنّه أيضاً لم يتكلّم مطلقاً في هذه المسألة. التفسيرات التي قدّمها باكراً المسؤولون عن هاتَيْن الشركتَيْن كانت تقنيةً بحتةً، وهي تفيد عموماً عجز المؤسّستَيْن عن تغطية الحاجات، والفارق الشاسع بين الحاجات المتنامية في فصل صيف استثنائي وبين قدرة هاتَيْن الشركتَيْن على الإنتاج الفعلي، سواء في الكهرباء أو في الماء الصالح للشرب.
احتكار الرئيس قيس سعيّد للخطاب في هذه المسألة أمر منسجم تماماً مع تصوّراته للسلطة. وبوصفه قائداً شعبوياً، فإنّ الرئيس سعيّد يعدّ نفسه ضمير شعبه، وهو لا يحتاج إلى أيّ وسيط، بما فيه الإعلام الرسمي. ودليل هذا أنّه لم ينظّم مطلقاً أيّ ندوة صحافية منذ تولّيه السلطة سنة 2019، كذلك فإنّه لم يحضر أيّ برنامج إعلامي رسمي. لذلك، إنّ النافذة الوحيدة التي يطلّ منها، بين حين وآخر، على شعبه هي صفحة رئاسة الجمهورية في "فيسبوك"، وعنها تنقل وكالة تونس أفريقيا للأنباء، وهي الوكالة الرسمية، وبقية مؤسّسات الإعلام الحكومي. وما يُنشر من أنباء، وهو عادةً ما يُختزل في زياراته الليلية بعض أحياء العاصمة أو المدن التي تشهد أزماتٍ، شرط أن يكون الناس نياماً حين زيارتها. يندرج احتكار الرئيس للكلام في استراتيجية أشمل، وهي بروز الرئيس بطلاً ملحمياً أعزل يقاتل وحوش المتآمرين والخونة والمُحتكِرين.
لا شيء يبرّر هذا العبث كلّه سوى رغبة الإذلال، حين يغدو الإذلال أحد ابتكارات الاقتصاد السياسي للنظم التسلّطية. تشغلهم التسلّطيات الشعبوية بالجري وراء حاجات أساسية خِلْنا أنّ دولة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين قد وفّرتها. السلسلة الجهنّمية التي قيّدت المواطنين إلى حلقة الجري وراء هذه الحاجات تلهيهم، بالضرور، عن الشأن العام، وتجعلهم مستعدّين للتنازل عن حرّيتهم في مقابل فوزهم بالحدّ الأدنى للبقاء.
آثر الناس القبول بالإذلال حتّى يضمنوا بقاءهم، ولو على حساب كرامتهم، كأن يقفوا في طابور طويل طوال ما يزيد أحياناً على أربع ساعات، في درجة حرارة تجاوزت الأربعين، لأنّهم يخشون ما هو أفظع بحسب اعتقادهم. خلال سبع سنوات أفلحت السلطة، علاوة على تجريف الحياة السياسية بكلّ مكوّناتها: خطابها العقلاني، والفضاء العمومي ساحةً للحوار، والأحزاب والجمعيات وجلّ لبنات المجتمع المدني، في خلق جيش من الأعداء الذين لا ملامح لهم. إنّهم كائنات بلا وجوه ولا ملامح ولا قسمات ولا أصوات. تتحدّث السلطة عن إيقافات واعترافات لهؤلاء الأشباح، ولكن لا أحد رآهم، ولا هي مستعدّةٌ، إن سلّمنا بوجودهم، لكشفهم، لأنّ ذلك يفيد انتهاء اللعبة وافتقاد شرط بقائها.
المهدي المبروك
العربي الجديد

