ثلاثون مليار دينار خارج الدورة البنكية: كيف حصل هذا الارتفاع غير المسبوق؟
مقالات راي 26 أوت 2026

ثلاثون مليار دينار خارج الدورة البنكية: كيف حصل هذا الارتفاع غير المسبوق؟

بقلم: ameurayed

تجاوز حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة في تونس عتبة الثلاثين مليار دينار يوم 21 أوت الجاري، وفق معطيات البنك المركزي، إذ بلغ 30,040 مليار دينار مقابل 25,902 مليار دينار في نفس التاريخ من السنة الماضية. وهي المرة الأولى في تاريخ البلاد التي يبلغ فيها هذا المؤشر مثل هذا المستوى.

مر الخبر في الإعلام مرور الكرام، والبعض اكتفى في الغالب بإحالته إلى الاقتصاد الموازي. وهذا تفسير صحيح في جزء منه، لكنه لا يفسر النسق، ذلك أن الاقتصاد الموازي موجود عندنا منذ عقود ولم يتضاعف حجمه في اثني عشر شهرا. والمؤشرات النقدية من هذا النوع نادرا ما يكون لها سبب واحد، والاكتفاء بسبب واحد هو أسرع طريق إلى قراءة خاطئة. ولذلك سأحاول ترتيب الأسباب بحسب وزنها، لا تعدادها فحسب.

أولا: ليس المستوى هو المشكل الأساسي بل النسق

الزيادة بلغت 4,138 مليار دينار في اثني عشر شهرا، أي بنسبة تناهز 16 بالمائة. وللمقارنة، فإن التضخم بلغ 5,1 بالمائة في جويلية الماضي والنمو الحقيقي يدور حول 2,5 بالمائة، أي أن الاقتصاد ينمو بالأسعار الجارية بنحو 8 بالمائة. وهذا يعني أن النقد المتداول يتضخم بضعف سرعة الاقتصاد الذي من المفروض أن يخدمه. ولا يمكن رد هذا الفارق إلى النمو ولا إلى الأسعار ولا إلى الزيادة السكانية، لأن هذه العوامل مجتمعة لا تنتج مثل هذه الفجوة.

ثانيا: النقد المتداول ينمو أسرع من الكتلة النقدية نفسها

وهذه في نظري أهم نقطة في الموضوع كله، وقد غابت عن كل ما قرأته حوله.

فالكتلة النقدية الجملية، أي مجموع النقد المتداول والودائع بمختلف أنواعها، تنمو في تونس بنسق يدور عادة حول 7 إلى 9 بالمائة في السنة. أما النقد المتداول وحده فينمو بنسبة تتراوح بين 16 و19 بالمائة. أي بضعف السرعة.

ومعنى ذلك أن حصة النقد داخل الكتلة النقدية ترتفع. فقد كانت في حدود 18 بالمائة في ديسمبر الماضي، وهي اليوم تقارب العشرين بالمائة. وارتفاع بنقطة ونصف إلى نقطتين في ثمانية أشهر يعد تحولا كبيرا في مؤشر من هذا النوع، إذ إن هذه النسبة تتحرك عادة ببطء شديد وعلى مدى سنوات.

ولهذا التمييز أهمية كبرى في فهم ما يحصل. فلو كان النقد ينمو بنفس نسق الكتلة النقدية، لكنا أمام ظاهرة نقدية بحتة: مال أكثر في الاقتصاد، والنقد يحافظ على حصته المعتادة منه. أما أن يسبقها بالضعف، فمعناه أن هناك تحولا فعليا من الوديعة إلى الورقة النقدية. أي أن التونسيين لا يحتفظون بمال إضافي فحسب، وإنما يسحبون ما كان في البنوك ويحتفظون به خارجها.

ويؤكد هذا مؤشر مادي ورد في التقرير السنوي للبنك المركزي لسنة 2025: بلغ حجم الأوراق النقدية الجديدة المصدرة 117 مليون ورقة بارتفاع سنوي قدره 15,3 بالمائة، فيما ارتفع عدد القطع النقدية المصدرة بنسبة 57,2 بالمائة. فالمطبعة تشتغل أكثر لأن الطلب على النقد ذاته ارتفع.

ثالثا: وكل هذا يحصل رغم تقدم الدفع الإلكتروني لا في غيابه

تشير معطيات البنك المركزي إلى نمو متواصل في وسائل الدفع الإلكتروني خلال السداسي الأول من 2026، وإلى بلوغ عدد البطاقات البنكية المتداولة أكثر من ستة ملايين بطاقة. وفي كل التجارب المقارنة يؤدي هذا التطور إلى تراجع النقد المتداول لا إلى ارتفاعه القياسي. أما عندنا فالمساران يرتفعان معا، وهذه المفارقة وحدها تكفي لإسقاط التفسير الشائع بأن المسألة مسألة عادات دفع أو نقص تجهيزات تقنية.

فالمشكل إذن ليس في وسيلة الدفع، وإنما في مكانين آخرين: من أين يأتي هذا المال، ولماذا يفضل الناس الاحتفاظ به.

رابعا: من أين يأتي هذا المال أصلا

هذا هو السؤال الجوهري. فالنقد المتداول لا يهبط من السماء، وإنما هو جزء من القاعدة النقدية التي يصدرها البنك المركزي.

ومنذ 2024 تغير مصدر تمويل الميزانية تغيرا جوهريا. ففي فيفري 2024 وقع تنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016، الذي كان يمنع صراحة منح الخزينة تسهيلات أو اقتناء سنداتها بصفة مباشرة، للترخيص في تمويل مباشر بسبعة مليارات دينار قدم يومها على أنه إجراء استثنائي. ثم نص قانون المالية لسنة 2025 على تسهيلات في حدود سبعة مليارات دينار دون فوائد تسدد على خمس عشرة سنة. ثم رفع قانون المالية لسنة 2026 السقف إلى نحو أحد عشر مليار دينار بالشروط نفسها.

أي أننا انتقلنا في ثلاث سنوات من منع قانوني صريح، إلى استثناء، إلى أداة قارة في تمويل الميزانية.

والفرق بين هذا التمويل وبين الاقتراض من البنوك ليس تفصيلا فنيا. فحين تقترض الدولة من البنوك فإنها تعيد توظيف ادخار موجود أصلا في الاقتصاد. أما حين تمول مباشرة من البنك المركزي فإن المال يخلق خلقا ويضاف إلى الكتلة الموجودة. وهذا المال ينفق بعد ذلك في شكل أجور ومنح وخلاص مزودين، فيصل إلى العائلات والمؤسسات التي تقرر هي وحدها ما تحتفظ به نقدا وما تودعه في البنوك.

وهنا تكتمل الصورة: الإحداث النقدي يوفر الوقود، وتراجع الثقة يحدد الوجهة. فبدون الأول لا يوجد هذا الحجم من السيولة أصلا، وبدون الثاني كان جزء كبير منها سيعود إلى الودائع بدل أن يستقر في البيوت.

ولو أردنا تقسيما تقريبيا لقلنا إن نصف الزيادة يفسره نمو الكتلة النقدية في مجملها، وإن النصف الآخر يفسره تحول التونسيين نحو الاحتفاظ بأموالهم نقدا. أي أن ما نحتاج إلى فهمه ليس سببا واحدا وإنما آليتين تشتغلان في نفس الاتجاه.

خامسا: حين تفرغ أداة من وظيفتها

دخل القانون عدد 41 لسنة 2024 المتعلق بتنقيح التشريعات الخاصة بالشيك حيز التنفيذ في 2 فيفري 2025، وهو التاريخ الذي انطلق منه التسارع الفعلي في هذا المؤشر.

والمسألة التي لم يحسن التعامل معها أن الشيك في الاقتصاد التونسي لم يكن وسيلة دفع بقدر ما كان أداة أجل. فالعائلة التي تشتري أثاثا أو تجهيزات أو تصلح سيارتها كانت تدفع بشيكات مؤجلة على أشهر، والمؤسسة الصغيرة كانت تدير دورتها التجارية بنفس المنطق. ولما اشترط القانون توفر الرصيد مسبقا وجعل العملية أنية، أصبح الشيك في جوهره مرادفا للتحويل البنكي، أي أداة تنقل مالا موجودا في نفس اللحظة، وهو ما يفرغه من الوظيفة الوحيدة التي كان يؤديها.

وكان بالإمكان معالجة مشكل السجون، وهو مشكل حقيقي، برفع التجريم وحده دون إفراغ الأداة من مضمونها الاقتصادي. أما أن يعالج الأمر بإلغاء وظيفة الأجل، فذلك يعني أن الحاجة إلى التمويل لم تختف وإنما تحولت إلى النقد أو تعطلت.

وقد كشفت دراسة للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات أن 88 بالمائة من المستهلكين ذوي الدخل المتوسط، أي من يتراوح دخلهم الشهري بين ألف وثلاثة آلاف دينار، تخلوا عن عملية شراء منذ دخول القانون حيز النفاذ. وهذا رقم يستحق أن يقرأ بتمعن.

سادسا: ما يخرج من البنوك لا يعود إليها

البنوك لا تقرض من فراغ وإنما من الودائع، والمال الذي يبقى في البيوت لا يدخل في قاعدة الودائع أصلا. ولنا في المقابل رقمان يوضحان الصورة: بلغ الحجم الجملي لإعادة تمويل البنوك من طرف البنك المركزي أكثر من أحد عشر مليار دينار في أواخر 2025، وبلغ قائم دين الدولة لدى الجهاز المصرفي نحو 35,4 مليار دينار في ماي الماضي بزيادة تقارب 20 بالمائة في سنة واحدة.

ومعنى هذين الرقمين معا أن البنوك تعوض ما ينقصها من ودائع بالاقتراض من البنك المركزي، وأن ما بقي لديها من موارد يذهب في جزء متزايد منه إلى إقراض الدولة. أما المؤسسة الاقتصادية التي تطلب قرضا اليوم فتأتي في آخر الصف.

سابعا: كل دينار خارج الدورة هو دينار خارج القاعدة الجبائية

المعاملة النقدية لا تترك أثرا، وما لا يترك أثرا يصعب إخضاعه للأداء. وحين يتوسع هذا الفضاء تضيق القاعدة الجبائية، فيزداد الضغط على من هو داخلها أصلا، أي الأجير والمؤسسة المنظمة. وكلما زاد الضغط على المنظم زاد إغراء الخروج منه. وهذه حلقة تتغذى ذاتيا.

***

وحتى نقرب الصورة، فإن ثلاثين مليار دينار موزعة على نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون عائلة تونسية تعني ما يقارب 8500 دينار تحتفظ بها كل عائلة خارج البنوك. وهي تمثل قرابة سدس الناتج المحلي الإجمالي ونحو خمس الكتلة النقدية في البلاد.

أما الأثر المباشر على الناس فهو أن المؤسسة التي تطلب قرضا تجد بنكا أقل قدرة على الإقراض وأكثر تشددا في الشروط، وأن العائلة التي تريد شراء ما تحتاجه بالتقسيط لم تعد تجد الوسيلة التي كانت تستعملها، وأن الأجير يتحمل نصيبا أكبر من العبء الجبائي لأن غيره خرج من الدائرة. ثم إن هذه السيولة كلها تضغط في النهاية على الأسعار، فيدفع الجميع الثمن مرة أخرى دون أن يدركوا من أين جاء.

***

ما الذي يمكن فعله؟ في تقديري أربعة اتجاهات.

الأول، أن يعود التمويل المباشر إلى صفته الاستثنائية بدل أن يستقر أداة قارة. والمطلوب في الحد الأدنى أن ينشر جدول زمني معلن لتقليصه، وأن يرافق كل ترخيص جديد بتقدير رسمي لأثره على الكتلة النقدية وعلى الأسعار. فما دام السقف يرتفع من سنة إلى أخرى، فإن كل الإجراءات الأخرى تعالج الأعراض.

الثاني، أن تعاد إلى الاقتصاد أداة الأجل التي فقدها. والمطلوب هو أداة تمويل مهيكلة في متناول الطبقة المتوسطة، سواء عبر منظومة خلاص بالتقسيط مؤطرة بنكيا أو عبر إحياء الكمبيالة في صيغة إلكترونية تتيح التثبت الفوري من القدرة على التسديد. فالحاجة التي كان الشيك يغطيها لم تختف بزواله.

الثالث، أن يصبح الدفع الإلكتروني أرخص من النقد بالنسبة للتاجر لا أغلى منه. فاليوم يدفع التاجر عمولة على كل خلاص بالبطاقة ولا يدفع شيئا على النقد، ثم نطلب منه بعد ذلك أن يشجع الدفع الإلكتروني. الحوافز مقلوبة ببساطة، والنتيجة متوقعة تماما. وأول إجراء ممكن هو إلغاء العمولة أو تسقيفها على المعاملات الصغيرة.

الرابع، أن تبدأ الدولة بنفسها. فهي أكبر متعامل اقتصادي في البلاد، وتعميم الدفع الإلكتروني في خلاص معاليمها وخدماتها وفي صرف مستحقاتها ومنحها يغير العادات أسرع من أي حملة تحسيسية وبكلفة أقل منها بكثير.

***

الخلاصة أن ثلاثين مليار دينار خارج الدورة البنكية ليست رقما نقديا فحسب، وإنما نتيجة معادلة واضحة: مال يخلق بوتيرة متسارعة لتمويل ميزانية عاجزة، وأدوات تمويل شرعية أفرغت من وظيفتها، وثقة تتراجع في المنظومة الرسمية.

وما لم تعالج هذه العناصر الثلاثة معا، فإن الرقم سيواصل الارتفاع مهما تعددت الحملات والتوصيات.

انور معروف

شارك هذا المقال:

ثلاثون مليار دينار خارج الدورة البنكية: كيف حصل هذا الارتفاع غير المسبوق؟ | أنساق