عربي21
بكثير من الحزن والغضب والألم أكتب هذه الكلمات وأنا أتابع فواجع الحرائق المرعبة، والأكثر فتكا التي تضرب شرق الجزائر خاصة، وبالأخص في ولايتي جيجل وبجاية الأكثر تضررا. ليست المأساة في الجزائر اليوم أن الغابات تحترق فقط. المأساة أن السلطة الحاكمة تبدو مرة أخرى وكأنها فوجئت بالنار وهي تعرف، منذ سنوات، أن الصيف الجزائري، وحتى الخريف مع التغير المناخي، أصبح موعدا متكررا للحرائق والكوارث.
أكثر من مائة حريق: من جيجل إلى سكيكدة وعنابة، والطارف وقالمة، وقسنطينة، ميلة، وسطيف..ومن جيجل إلى بجاية وتيزي وزو، النيران تلتهم الغابات والأحراش وتقترب من السكان والمنازل، والجزائريون يشاهدون مشاهد صادمة لعائلات تهرب من الموت، وممتلكات تتحول إلى رماد، فيما تتخبط السلطة مرة أخرى بالتستر وإنكار الواقع في إعلان حصيلة الضحايا. وزير الصحة بدا مذهولا ومرتبكا وهو يصرح ليلة أول أمس الأربعاء أن "عدد الضحايا مرتفع، وخاصة في ولاية جيجل"، لكنه كان واضحا أنه مرعوب من ذكر العدد.
وزير الداخلية صرح من جهته أن الحصيلة الأولية هي 12 قتيلا، بينهم 5 في ولاية جيجل، فيما كانت الإفادات الموثقة والصفحات المحلية على مواقع التواصل تعج بأرقام مرعبة بعشرات الضحايا، في بلدية واحدة فقط مثل "الجمعة بني حبيبي"، التي حضر وزير الداخلية نفسه، إلى جانب وزير الصحة رفقة الوزير الأول الجنازة الجماعية لـ37 ضحية فيها على الأقل، كما أعلنت صفحة البلدية الموثقة على فيسبوك.
مفارقة مذهلة: وزير تحدث باسم الحكومة ليعلن أن عدد الضحايا في ولاية جيجل هو 5 ضحايا فقط، بينما يحضر جنازة لـ37 شخصا على الأقل في بلدية واحدة فقط من بلدياتها، بينما عشرات الضحايا في بلديات أخرى كما توثقه الصفحات المحلية، وسكان المنطقة المذهولين من هول الكارثة ومن عدد ضحايا وجرحى بالمئات، وخسائر مرعبة لا تعوض في الممتلكات والطبيعة الجبلية الساحرة.
كان توثيق الصفحات المحلية والسكان بالصوت والصورة وبالتدوينات الموثقة عبر مواقع التواصل وسيلة الجزائريين لمعرفة هول ما يحدث، في المقابل كان هناك تعتيم إعلامي واضح ومقصود وبأوامر من الأذرع الحكومية والخاصة، التي كانت لا تغطي آهات ومعاناة المناطق المنكوبة، إنما تبرز فقط زيارات المسؤولين، من وزير الداخلية، والصحة إلى الوزير الأول، الذي استُقبل في مطار جيجل بالطبول والمزامير العسكرية، بينما كانت جيجل مازالت تحترق، ورئيس البلاد عبد المجيد تبون أعلن الحداد الوطني!
كانت لازمة (ومتلازمة) وما تبرزه الأذرع الإعلامية في تغطيتها ـ التي "عرتها" مرة أخرى ـ وما يردده الوزراء هو الحديث عن "الرئيس، الذي أمر، وأسدى وعبَّر.."، والأكثر استفزازا هو تكرار الوزراء عبر "الأبواق الإعلامية" نفسها أن "الرئيس أمر الوزراء بالتنقل إلى المناطق المنكوبة!"، وكأنهم يقولون إنه لو لم يأمرهم الرئيس بالتنقل لما تنقلوا وأدوا واجبهم؟!
غابت ـ أو بالأحرى غُيبت ـ المعلومات الرسمية عن حجم الكارثة عن عدد الوفيات، المصابين، المفقودين، المنازل المتضررة، المركبات المحترقة، والمساحات التي دمرتها النيران، بينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي تمتلئ بصور وشهادات عن حجم الكارثة.
الدولة لا تحمي هيبتها بإخفاء الأرقام. بالعكس، الدولة القوية هي التي تواجه مواطنيها بالحقيقة مهما كانت قاسية.
والصمت في الكوارث ليس حيادا. الصمت يخلق الشائعات، ويغذي الشك، ويجعل السلطة نفسها موضع التساؤلات، وحتى الاتهامات. لكن كعادتها لجأت إلى "فزاعة المؤامرة"، حيث سارعت وزارة الشباب، أمس الجمعة، إلى بث فيديو دعائي يروج برسالة واضحة إلى أن الحرائق مؤامرة تستهدف الجزائر، وأنها مفتعلة لضرب استقرارها. صفحات دعاية وأذرع إعلامية سرعان ما أشعلت نفس مشاعل هذه الدعاية.. ترويج سوقته السلطة من قبل عدة مرات، وبينها في حرائق منطقة القبائل المفجعة في 2021 التي خلفت نحو 100 قتيل، بينهم نحو 33 عسكريا بعضهم كانوا يشاركون في إطفائها. هكذا تبرير لا يقدم جوابا كافيا بقدر ما يثير الأسئلة، وفي مقدمها أنه إذا كانت هذه الحرائق مؤامرة خارجية مرة أخرى فإن هذه السلطة الحاكمة فشلت في حماية الجزائر، وإذا كانت "مؤامرة داخلية" فتلك إدانة أخرى للسلطة!
ما لا تريد السلطة سماعه من أسئلة هي من قبيل: أين كان الاستشراف؟
الجزائر ليست بلدا يكتشف الحرائق لأول مرة.
لقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية مواسم حرائق مدمرة، وسقط ضحايا، ودمرت آلاف الهكتارات، وتهدمت منازل، وظهرت في كل مرة نفس الوعود: تعزيز الوقاية، تطوير وسائل التدخل، تحسين الإنذار المبكر، وتوفير الإمكانات اللازمة.
فماذا حدث منذ ذلك الوقت؟ هل تغيرت منظومة الاستشراف فعلا؟ هل توجد خرائط خطر محدثة؟ هل تتم مراقبة المناطق الأكثر عرضة للحرائق على مدار الساعة؟ هل جرى تنظيف المسالك الغابية وتهيئة ممرات عازلة حول التجمعات السكانية؟ هل توجد منظومة إنذار مبكر قادرة على اكتشاف الحريق في دقائقه الأولى؟ والمفارقة أن الرئيس تبون تحدث مرارا عن "طائرات مسيرة" و"ذكاء اصطناعي"، و"رقمنة"!
بدا واضحا وبشكل مكرر أن السلطة ما زالت تنتظر حتى تتحول شرارة صغيرة إلى جبهة نيران، ثم تبدأ عملية الاستنفار.
.الكارثة الطبيعية يمكن أن تكون مفاجئة، لكن الخطر لم يكن مفاجئا. والفرق كبير بين أن تعجز الدولة عن السيطرة على حريق استثنائي، وبين أن تدخل موسم الحرائق من دون استعداد يوازي حجم الخطر المعروف مسبقا.
ثم هناك السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحا مع كل حريق كبير: أين طائرات إطفاء الحرائق؟ وزير الداخلية برر عدم استعمال الطائرات بسبب سرعة الرياح، لكن الحقيقة أنه ليس هناك عدد كاف من الطائرات الفعالة لإطفاء الحرائق.
في بلد شاسع المساحة، جباله وغاباته واسعة، وحرارته مرتفعة، ورياحه قد تحول الحريق خلال دقائق إلى جحيم، لا يمكن التعامل مع حرائق الغابات الكبرى وكأنها مجرد حوادث محلية تعالج بالشاحنات وخراطيم المياه.
التدخل الجوي ليس رفاهية، إنه جزء أساسي من منظومة مكافحة حرائق الغابات الحديثة.
سؤال تكرر منذ سنوات مع تكرر فواجع الحرائق: كم طائرة إطفاء متخصصة تملكها الجزائر؟ كم منها جاهز فعليا للتدخل؟ وأين كانت أثناء اندلاع هذه الحرائق؟ وهل العدد المتوفر يتناسب أصلا مع حجم بلد مثل الجزائر وحجم المخاطر التي تواجهه؟
إذا كانت الطائرات موجودة، كما يدعي الخطاب الرسمي فلماذا لا تظهر بما يكفي في مواجهة هذه الكارثة؟
وإذا كانت غير متوفرة بالعدد الكافي، فلماذا لم يتم التحوط وتوفيرها منذ سنوات بعد كل الحرائق المدمرة التي عرفتها البلاد؟
كما هو معروف فإن شراء طائرات الإطفاء الجديدة فعلا عملية ليست سهلة، بل يحتاج إلى طلبيات مسبقة بسنوات، كما صرح الرئيس تبون نفسه مرارا مع التأكيد أن الأموال متوفرة لذلك، ولكن هذا الزعم يسقط مثلا عندما نعلم أن الجزائر ألغت عام 2022 صفقة لشراء طائرات لإطفاء الحرائق من إسبانيا، بسبب الأزمة الدبلوماسية مع الأخيرة، حينها، على خلفية قضية الصحراء الغربية، والتي انتهت الآن وعادت العلاقة بين البلدين إلى سمن على عسل، رغم أن إسبانا لم تغير موقفها!
وإذا كانت الطائرات في الجزائر لم تكن بالعدد الكافي في حرائق هذا الصيف المفجعة، فلماذا لم تطلب السلطات الجزائرية المساعدة ـ أو حتى تأجير طائرات ـ من إسبانيا نفسها، التي تتوفر على أسطول كبير لطائرات إطفاء الحرائق، أو الدول المتوسطية القريبة للجزائر مثل فرنسا ـ التي تحسنت علاقات حكومة تبون معها نسبياـ أو تركيا التي يتعبرها تبون "حليفا" وتحصل على مشاريع ضخمة مربحة في الجزائر، أو إيطاليا "الصديقة" كما يصفها تبون؟!
هذه ليست أسئلة تقنية هامشية. إنها أسئلة تتعلق مباشرة بثمن الأرواح التي يمكن إنقاذها في الساعات الأولى للحريق.
ربما النقطة المضيئة الوحيدة في هذا المشهد المظلم، هو التفاف وتضامن الشعب الجزائري وأبنائه في المؤسسات المدنية والعسكرية، من تدخل أبناء الجيش الوطني الشعبي للمساعدة والدعم، وما تقوم به مصالح حماية الغابات برغم الإمكانات الضعيفة والأجور الزهيدة لعمالها، وكذلك رجال ونساء "الحماية المدنية"، الذي يعانون كذلك، ولا يجوز تحميلهم وحدهم مسؤولية مواجهة كارثة بهذا الحجم، وتركهم وحدهم في خط المواجهة الأول.
وكمقارنة للمفارقة الغريبة في تسيير الجزائر فإن ميزانية الرئاسة (التي تمتلك جيشا من الموظفين البيروقراطيين والمستشارين برواتب ومزايا ضخمة)، لهذا العام 2026، تساوي تقريبا ميزانية "الحماية المدنية"، التي تضم 70 ألف موظف: ميزانية الرئاسة هي 112 مليار دينار جزائري
العربي 21

