هناك لحظات تكشف فيها السلطة عن حقيقتها أكثر مما تكشف عنها الخطب والبيانات والقوانين. ولعل ما يجري اليوم مع راشد الغنوشي واحد من تلك المشاهد التي تضع أمام التونسيين سؤالاً بالغ القسوة: أيّ سلطة هذه التي تجعل من جسد شيخ في الخامسة والثمانين ساحة أخرى للصراع السياسي؟
بحسب بلاغ هيئة الدفاع عن راشد الغنوشي الصادر اليوم 10 أوت 2026، يقيم الرجل في المستشفى منذ 29 جويلية، وقد مرت اثنا عشر يوماً تحت عزلة تامة، مع منع محاميه وعائلته من زيارته أو التواصل معه أو الحصول على معلومات عن وضعه الصحي. وتقول الهيئة إن الغنوشي دخل منذ 6 أوت في إضراب عن الطعام والدواء احتجاجاً على عزله وحرمانه من أبسط حقوقه.
المشهد في حد ذاته يبعث على الصدمة. شيخ في الخامسة والثمانين، خلف القضبان منذ سنوات، يواجه أحكاماً سجنية ثقيلة، ثم يجد نفسه في المستشفى، حيث يفترض أن تصبح الرعاية والرحمة والحق في التواصل مع العائلة والمحامين مقدمات بديهية، فإذا بالمستشفى يتحول إلى امتداد للعزلة والسجن.
الأخطر أن هذه الواقعة، وفق ما تذكره هيئة الدفاع، تأتي في سياق سبق أن تكرر فيه نقل الغنوشي إلى المستشفى ومنع الزيارة عنه، حتى انتهى الأمر في مناسبات سابقة إلى خوض إضراب عن الطعام احتجاجاً على ظروف احتجازه.
هنا يصبح السؤال أكبر من الغنوشي نفسه.
أي عقل سياسي يحتاج إلى شيخ مريض حتى يخوض معركة جديدة حول زيارة عائلية؟ وأي منطق في إدارة السجون يجعل المريض أكثر عزلة عندما يحتاج إلى مزيد من الرعاية الإنسانية؟
إنها صورة تختصر الكثير من طبيعة المرحلة: الحقد السياسي حين يتجاوز حدود الخصومة السياسية ويتحول إلى طريقة في إدارة الدولة.
الحقد أخطر من القمع نفسه حين يصبح مؤسسياً. القمع قد يكون قراراً عابراً، أما الحقد حين يدخل إلى الإدارة والسجن والمستشفى والتعليمات والمنشورات الرسمية فإنه يتحول إلى ثقافة حكم. عندها تصبح الخصومة السياسية بحثاً دائماً عن العقوبة، ويصبح الخصم السياسي مشروعاً مفتوحاً للانتقام.
والغنوشي هنا يتحول، في نظر هذه العقلية، من شخص له حقوقه القانونية والإنسانية إلى رمز يجب إخضاعه حتى وهو في سريره.
تلك هي المسألة.
ليست القضية في الموقف السياسي من راشد الغنوشي، ولا في تقييم تجربته الفكرية أو الحزبية، ولا في الاختلاف معه حول النهضة أو البرلمان أو مرحلة ما بعد الثورة. كل ذلك مشروع للنقاش والمحاكمة السياسية والتاريخية. أما تحويل المرض إلى أداة ضغط، والعزلة إلى وسيلة عقاب، والحرمان من العائلة إلى سياسة، فذلك ينقل الصراع إلى منطقة أخرى تماماً.
لقد عرفت تونس خصومات سياسية حادة، وعرفت السجون والملاحقات والمحاكمات، لكنها عرفت أيضاً تقاليد من التضامن الإنساني تجعل المريض مريضاً قبل أن يكون خصماً، والشيخ شيخاً قبل أن يكون سياسياً.
أما حين يصبح عمر الإنسان سبباً لمزيد من القسوة، ومرضه مناسبة لتشديد العزلة، فإننا أمام انحدار أخلاقي قبل أن نكون أمام خلاف سياسي.
وتزداد الصورة قتامة حين تتحدث هيئة الدفاع عن وجود مذكرة داخلية صادرة عن وزيرة العدل في حكومة قيس سعيّد تتعلق بمنع الزيارة عن الموقوفين الذين يتم نقلهم إلى المستشفى.
إذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر يتجاوز حالة فردية ويتحول إلى سؤال حول السياسة التي تحكم إدارة السجون وحقوق المرضى المحتجزين. وحين تصبح الزيارة امتيازاً قابلاً للسحب بقرار إداري، يصبح الحق الإنساني نفسه رهينة للمزاج السياسي.
وهنا تحديداً تظهر مشكلة أعمق من قضية الغنوشي.
الدولة التي تحترم نفسها لا تقيس الحقوق بمقياس الولاء السياسي. السجين المعارض يبقى إنساناً، والمحكوم عليه يبقى صاحب حقوق، والمريض داخل السجن يبقى مريضاً، والعائلة لا تتحول إلى شريك في العقوبة.
أما عندما تتسع دائرة العقوبة حتى تشمل الزوجة والأبناء والمحامين، ويُحجب عنهم حتى السؤال عن صحة قريبهم، فإن السجن يتجاوز الشخص المحتجز ويمتد إلى محيطه الإنساني كله.
وهذه من أكثر صور العقاب السياسي قسوة.
ثم يأتي الإضراب عن الطعام والدواء.
ما الذي يدفع رجلاً في الخامسة والثمانين إلى وضع جسده في مواجهة الموت؟ غالباً لا تكون المسألة بحثاً عن بطولة أو استعراض سياسي. إنه الملاذ الأخير عندما يشعر المحتجز بأن صوته محاصر، وأن أبواب المؤسسات مغلقة، وأن المحامي ممنوع، والعائلة ممنوعة، والمعلومة ممنوعة.
وهنا يجب أن يشعر أصحاب القرار بالخوف، لا من الغنوشي، وإنما من الصورة التي يرسمونها لأنفسهم أمام التاريخ.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى إذلال خصومها حتى تثبت قوتها. الدولة الواثقة من نفسها تستطيع أن تترك لخصومها مساحة من الكرامة، لأن شرعيتها تستمد قوتها من القانون والمؤسسات، لا من القدرة على معاقبة الأفراد.
أما السلطة التي تخشى حتى زيارة عائلة لشيخ مريض، فهي تكشف عن هشاشة عميقة في علاقتها بالخصومة السياسية.
لقد أصبح واضحاً أن الصراع مع الغنوشي تجاوز منذ زمن حدود القضايا والملفات القضائية. كثافة الأحكام والاتهامات والملفات المحالة عليه تجعل المتابع أمام سؤال سياسي أكبر: هل الغاية هي تحقيق العدالة أم إخراج رجل سياسي من التاريخ بأي ثمن؟
هذا السؤال لا يجيب عنه القضاء وحده، بل تجيب عنه أيضاً الطريقة التي يعامل بها الرجل داخل السجن، وفي المستشفى، وأثناء المرض، ومع عائلته ومحاميه.
فالعدالة لا تقاس فقط بعدد سنوات السجن، وإنما أيضاً بالطريقة التي تعامل بها الدولة من يقع تحت سلطتها.
والحقد السياسي، عندما يصبح منهجاً في الحكم، يقتل هذه المعاني واحداً بعد آخر.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في تونس اليوم هو أن يتحول الانتقام من الخصوم إلى معيار للسياسة. عندها يصبح كل خصم مشروعاً لعقوبة مفتوحة، وكل صوت مخالف مرشحاً للعزل، وكل شخصية سياسية سابقة هدفاً لإعادة المحاكمة الرمزية والقضائية والأمنية.
وإذا كانت السلطة تريد أن تقدم نفسها بوصفها سلطة القانون، فإن أول اختبار حقيقي لذلك الخطاب يبدأ من السجون.
هناك، حيث لا يستطيع السجين الدفاع عن نفسه إلا بالكلمة أو بالمحامي.
هناك، حيث تصبح الزيارة فعلاً إنسانياً قبل أن تكون إجراءً إدارياً.
وهناك، حيث يكشف التعامل مع المريض عن معدن الدولة أكثر مما تكشف عنه المؤتمرات والخطب والشعارات.
راشد الغنوشي في الخامسة والثمانين.
هذه الحقيقة وحدها يجب أن تجعل كل صاحب قرار يتوقف لحظة.
يمكن الاختلاف معه. يمكن محاسبته. يمكن محاكمته. ويمكن أن يختلف معه نصف التونسيين أو ثلاثة أرباعهم. لكن شيخوخته ومرضه لا يحولانه إلى مادة مباحة للانتقام.
السياسة لها حدود.
والدولة لها حدود.
والخصومة لها حدود.
وحين تتجاوز السلطة هذه الحدود، فإنها لا تنتقم من خصمها وحده، وإنما تجرح صورة الدولة التي يفترض أن تمثل الجميع.
لذلك فإن ما يحدث اليوم داخل المستشفى يستحق أكثر من بيان عابر. إنه اختبار أخلاقي وسياسي لنظام الحكم برمته.
فإما أن تكون الدولة دولة قانون، فيُفتح الباب أمام المحامين والعائلة، ويُكشف الوضع الصحي للرأي العام، ويُضمن للغنوشي العلاج والرعاية والكرامة التي يستحقها كل إنسان.
وإما أن يتحول المستشفى إلى زنزانة أكثر عزلة، ويصبح المرض وسيلة أخرى للعقاب.
عندها لن يكون السؤال: ماذا فعل الغنوشي؟
سيصبح السؤال: ماذا فعل الحقد السياسي بالدولة التونسية؟
ذلك أن الأنظمة لا تُقاس فقط بكيفية تعاملها مع أصدقائها، وإنما بكيفية تعاملها مع أعدائها وخصومها، وخصوصاً عندما يصبح هؤلاء ضعفاء، مرضى، كباراً في السن، محرومين من الحرية.
وفي هذه اللحظة بالذات، تبدو صورة شيخ في الخامسة والثمانين مضرباً عن الطعام والدواء داخل مستشفى أكثر بلاغة من آلاف الخطب.
إنها صورة سلطة تستطيع أن تسجن الجسد، لكنها تعجز عن سجن السؤال الأخلاقي الذي سيظل يلاحقها:
متى يصبح الانتقام من الخصم السياسي حقداً على الإنسان؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يخرج من المستشفى اليوم، وأن يصل إلى كل بيت تونسي.
عامر عياد

