دفاعا عن حق راشد الغنوشي في الحياة... أما الحرية  أخرى...
مقالات راي 11 أوت 2026

دفاعا عن حق راشد الغنوشي في الحياة... أما الحرية أخرى...

بقلم: ameurayed

خبر إيقاف الأستاذ راشد الغنوشي إضرابه عن الطعام والدواء ليس خبرًا عابرًا.
فوراء هذا الخبر تفاصيل كثيرة، لا يعلمها كل الناس. غير أن عائلات المعتقلين السياسيين ومحاميهم يعرفونها جيدا لانهم يعيشونها كل يوم..
لذلك السؤال اليوم، لم يعد متى يخرج هؤلاء من السجن. وانما من منهم سيخرج على قيد الحياة ؟ بل كيف وصلت تونس إلى أن يصبح الحفاظ على حياة رجل في هذا العمر، يقبع في السجن منذ أكثر من ثلاث سنوات، قضية خلافية تستوجب كل هذا الجدل ؟

بحسب ما أعلنت هيئة الدفاع، فإن إدارة السجن المدني بالمرناقية أبلغت محامي الأستاذ راشد الغنوشي بأنه أنهى إضرابه عن الطعام والدواء، الذي بدأه يوم 6 أوت، استجابة لطلب الفريق الطبي المشرف على حالته الصحية بالمستشفى، والذي نبهه الى مخاطر الاستمرار في الاضراب على حياته..

أولا، من المهم، قبل كل شيء، أن نثمّن هذه الخطوة. فالإضراب عن الطعام والدواء ليس قرارًا سهلًا، وخاصة بالنسبة لرجل في منتصف عقده التّاسع من العمر، ويعاني من أمراض مزمنة، تحول دون ادارة شأنه الحياتي اليوم بشكل عادي. فالاستجابة لطلب الأطباء تعني، في جانب منها، تغليبه الحفاظ على حياته على كل اعتبار آخر.

لكن هل انتهت القصة ؟
يبدو، على عكس ذلك، أنها بدأت للتوّ.
لأن السّؤال الأهم ليس فقط: لماذا أضرب راشد الغنوشي عن الطعام والدواء ؟
وانما لماذا وجد نفسه مضطرًا إلى أن يخوض معركة بهذه الخطورة من أجل حقوق يفترض أن يكفلها القانون لكل سجين، وخاصة حقه في التواصل مع محاميه وعائلته ؟

فحين يُمنع سجين من التواصل الطبيعي مع محاميه وعائلته، فإن المسألة تتجاوز ظروف الإقامة داخل السجن. نحن أمام شكل من أشكال العزلة التي يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، إلى عقوبة إضافية خارج منطوق الحكم.
والسجين، مهما كانت التهم الموجهة إليه، لا يفقد إنسانيته ولا حقوقه الأساسية بمجرد دخوله السجن.

لهذا فإن المطالبة بفك العزلة المفروضة على راشد الغنوشي ليست مطلبا سياسيّا، ولا امتيازًا لشخص بعينه. إنها، في جوهرها، دفاع عن قاعدة يفترض أن تكون فوق الصراع السياسي، وهي أن لا تتحول السجون إلى فضاء خارج عن القانون.

هذا أمر يتعلق بالحقوق الطبيعية لكل انسان، وليس بمطلب الديمقراطية في حد ذاته. لماذا لا تفهم هذه السلطة ان احترام الحق في الحياة ليس قضية سياسية، انما يتعلق الأمر بانسانيتنا من حيث نحن جديرين بهذه الانسانية أم لا. الحق في الحياة حجة على من ينتهكه، وخط الدفاع الأخير عن انسانيتنا.

القضية ليست قضية الغنوشي وحده،
من الخطأ أن تُختزل المسألة في شخص راشد الغنوشي. فما يحدث معه جزء من أزمة أوسع تتعلق بمسار العدالة في تونس، وبطريقة إدارة الصراع السياسي، وبحدود السلطة عندما تتعامل مع خصومها.

لقد دخلت البلاد منذ سنوات في مناخ أصبحت فيه المحاكمات والسجون والملفات القضائية جزءًا من الصراع السياسي، بدل أن تكون العدالة هي المساحة التي يُحسم فيها هذا الصراع بعيدًا عن منطق الانتقام والتشفي.

فإذا أصبح السجن وسيلة لإقصاء الخصم السياسي، وإذا أصبحت العزلة وسيلة للضغط عليه، وإذا أصبح التقدم في السن والمرض عاملين إضافيين في معاقبته، فإننا لا نكون أمام انتصار للقانون، وإنما أمام إضعاف لفكرة القانون نفسها.

القضية، إذن، ليست أن راشد الغنوشي فوق القانون. بل العكس تمامًا.
القضية أن القانون يجب أن يكون فوق الجميع، وأن تكون الدولة مطالبة باحترامه حتى عندما يتعلق الأمر بأكثر خصومها السياسيين اختلافًا معها، مثل راشد الغنوشي..

هناك شيء مؤلم في أن يصبح خبر تدهور صحة سجين سياسي مناسبة لتذكيرنا بأنه رجل مسن، وبأنه يعاني من أمراض مزمنة، وبأنه يعجز أحيانا عن إيصال ملعقة طعام الى فمه، فما بالك ببقية شؤونه اليومية، وبأن حياته كانت مهددة بسبب ظروف اعتقاله السيئة، فما بالك وقد دخل إضرابا عن الطعام والدواء.

الأصل ألا نصل إلى هذه النقطة أصلًا.
فالدولة التي تحترم حقوق مواطنيها وكرامتهم لا تنتظر حتى يهدد السجين حياته لتستمع إلى مطالبه، ولا تنتظر حتى تتفاقم حالته الصحية حتى تتحرك، ولا تجعل التواصل مع العائلة والمحامين ورقة من أوراق العقاب.
ورغم كل ذلك، لم تستجب إدارة السجن لمطلب الشيخ راشد الغنوشي في التمتع بحقه في زيارة عائلته ومحاميه، ولا في الحصول على «قفة الزيارة»، بما تتضمنه من ملابس نظيفة وغذاء متوازن، وهو ما يفتقده داخل السجن، الأمر الذي يزيد من قسوة ظروف احتجازه ويضاعف معاناته.

قد يخرج راشد الغنوشي من السجن يومًا، وقد تنتهي هذه السلطة، وقد تتغير موازين القوى، وقد تعاد قراءة السنوات التي نعيشها اليوم من زاوية أخرى.
لكن السؤال الذي سيبقى هو: كيف تعاملت الدولة التونسية مع خصومها عندما كانت تملك القوة ؟

ومن هنا، فإن إطلاق سراح راشد الغنوشي ليس فقط مطلبًا سياسيًا أطرحه انطلاقا من موقفي المعلوم، وإنما أراه أيضًا اختبارًا لمعنى العدالة التي نريدها لتونس.
أما أن يبقى رجل في هذا العمر، مريضًا، معزولًا عن محاميه وعائلته، قابعا خلف القضبان لسنوات، فإن ذلك لا يمكن أن يكون صورة مقنعة عن دولة القانون التي نريد بناءها: دولة تنتصر على رغبة الانتقام، وتحترم القانون حتى مع خصومها، هي التي تنتصر في معركة بناء الوطن.

رياض الشعيبي

شارك هذا المقال:

دفاعا عن حق راشد الغنوشي في الحياة... أما الحرية أخرى... | أنساق