"شماتة الجهاديين بحركة النهضة في تونس"
مقالات راي 5 سبتمبر 2026

"شماتة الجهاديين بحركة النهضة في تونس"

بقلم: ameurayed

تحت هذا العنوان جاء مقال لباحثَيْن في معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى هما هارون زيلين وريتشارد بورو.

يسرد المقتال مواقف لرموز وقادة من الحركات الجهادية تدور إجمالا حول المعنى التالي: لن يقبل العلمانيون التونسيون المتطرفون ومن يدعمهم من القوى الغربية بأي وجود للمنتظم السياسي الإسلامي في تونس. فمهما قدمت النهضة من تنازلات ومهما أبدت من مرونةٍ وتكيّفٍ فإنها لن تلقى القبول أبدًا. لَكَأَنّهم يقولون إن النهضة كانت ضحيّة المبالغة في التسامح. هناك إفراط في الاعتدال.

هذه الفكرة شديدة وقاسية. إنها لُغم. لكن الجهاديين يجدون لها مسوّغات في الواقع وتأصيلًا في النصّ.

أمّا مسوّغاتها في الواقع فإنها تتمثل في الانقلابات المتتالية التي أقدمت عليها نخبٌ عربية مدعومة من المستعمر القديم. انقلابات بدّدت الأمل وغذّت اليأس ومهّدت للتطرّف.

من الأراضي المحتلة حيث انقلبت السلطة الفلسطينية، مدعومة بالكيان الصهيوني، على نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها حماس سنوات خلت، مرورًا بمصر حيث انقلب السيسي على الإخوان وقتل آلافًا في ساعات وسجن رئيسا، منتخبًا، حتى الموت، إلى تونس حيث استولى رئيس الجمهورية على كل السلطات وأغلق مقرّي الحكومة والبرلمان وحاصرهما بالدبابات.

كل هذه الأمثلة تؤكد، في نظر، الجهاديين معنًى واحدًا: الديمقراطية خيار فاشل مع النخبة العربية والرهان عليها كالكتابة على الثلج. ولن يقبل بها العلمانيون والمعادون للإسلاميين الا إذا كانت نتائجها لصالحهم. الجهاديون يقولون للنهضة: انتم لا تنافسون مثقفين بل عساكر في أزياء مدنية. انتم لا تقارعون مشاريع سياسية، بل مشاريع انقلابية. انتم لا تواجهون رجالَ فكرٍ وفنٍّ، بل تقارعون استئصاليين يلبسون ربطات عنق ويكتبون عن الحداثة والتنوير، عملاءَ ووكلاءَ للاستعمار لا يفهمون الا لغة القوة. دعكم من القلم واللسان وتقلّدوا البندقية.

هكذا يتكلّم العقل المتطرف الذي يجد في الانقلاب وحكم الفرد ما يبرّر تشدُّدَه ويغذّي جنوحَه وجنونه. الانقلابات تقتل السياسة وتخلق ارضية خصبة للتطرّف. الانقلاب هو داعش "التنوير والحداثة".

وأمّا تأصيل تلك الفكرة فيتمثل في استدعاء المقدّس. دور المقدّس هنا أن يفسّر الأحداث ويلهب المعركة. إنه يرفع المعركة من الأرض إلى السماء. إنّه وقودٍ خطير سريع الالتهاب. إذا ما تسرّب إلى دروب السياسة أشعل المنافسة وحوّلها إلى اقتتال.

حركة النهضة عملت على أن لا تقع في هذا المحظور حتى تُبقي الاختلاف في الدائرة المدنية وتجنّبه اشتعال المقدّس وتظل المنافسة جارية في دروب التواضع الاجتماعي والسياسي. لكن الانقلاب وفّر للتطرف مبرّرا لطعن الخيار الديمقراطي المدني في مقتل وتسبّب في أزمة ثقة يعسر علاجها. وهكذا تقع قيمة الحرّيّة أسيرةً بين فكّي التطرّف الحداثي العلماني والتشدّد الديني السلفي.

هارون زيلين وريتشارد بورو أكدا على أن الانقلابات تقوّض الإيمان بجدوى الديمقراطية وتهب الفكر المتطرف حجة قوية للتشكيك في قيمة الحسّ المدني. وهو أخطر ما يمكن أن يصيب الوعي. الخط الفاصل بين الاعتدال والتشدد هو الإيمان بقيمة الحرية. وهذه القيمة على قدر من الاهميّة ما جعل الفلاسفة يماثلون بيننا وإنسانية الانسان.

في السجن، حيث يعتصر الضيقُ والعذابُ الفؤادَ فيوشك المرءُ ان لا يرى غير الكفر بالمعنى وبالأمل خلاصًا، يخوض المناضل السياسي معركة اخرى تختلف عن المعارك التقليدية حين يكون حرًّا. إنها معركة الأفكار والخيارات، حيث تتصارع داخل وجدانه جيوشُ الامل والصبر والتسامح والعفو والهدوء والتريث مع جيوش اليأس والجنوح الى رد الفعل والعَجَلَة والانتقام. يتقابل الجيشان ويشتبكان. يخطب كل ممثّل عنهما ويستدعي من الحجج ويستنفر من المثيرات ما يقنع. السيف والقلم، الانتقام والعفو، الرحمة والقسوة، الحرية والعنف، … كل الثنائيات تتقاتل داخله. وتكتظّ النفس بالسِّجال. كل المراجع تحضر: القران والادب والسنة والشعر والحِكَمُ والاقوال المأثورة والتاريخ والمواقف… معركة تدمي الوجدان. تضغط عليه. تخنقه. وفي الاخير ترميه منهكًا الى الحيرة. وحده المفعم بالامل يحسم الامر ويختار الطريق الأوثق: الاعتدال.

الوسط الذي تشغله الان حركة النهضة مع آخرين ممن يؤمنون بالاعتدال، مهدّد بالفراغ. والفراغ منطقة خصبة للتطرّف. دور المثقفين التونسيين الذين يحترمون قيمة الحرية مهم جدا.

المفكر الفرنسي روجيه غارودي يعتبر ان التشدد الديني والتشدد العلماني شيء واحد، ندركه أحيانًا تحت مفهوم المقدّس وأحيانًا أخرى تحت مفهوم العقل.

الحكمة الالهية تعلّمنا ان الحياة ليست حسابًا دقيقًا. ف"لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة". ذلك هو منطق الصرامة والعقل الأداتي الدقيق. وإنما، بخلاف ذلك، يعاملنا الله بالرحمة والعفو. ولذلك كان اللّين أفضل.

الانقلاب، كما العنف، ناجع وسريع لكنّ نَفَسَهُ قصير. لا يطيق المسافات الطويلة. ويظلّ قلِقًا متوجّسًا باستمرار لانه ظالم. الديمقراطية بطيئة وثقيلة لكنها واثقة وراسخة. وتظل مطمئنة لأنها عادلة.

أن يُشْمتَ بحركة النهضة بسبب اعتدالها خير من أن يُشمتَ بها بسبب تشدّدها.

محسن السوداني.

شارك هذا المقال:

"شماتة الجهاديين بحركة النهضة في تونس" | أنساق