عن رهانات مسيرة 17 أكتوبر
مقالات راي 16 أكتوبر 2026

عن رهانات مسيرة 17 أكتوبر

بقلم: ameurayed

اياد بن مبروك

منذ 29 سبتمبر الماضي، تاريخ اجتماع الهيئات المنخرطة في الإطار التنسيقي للمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني بالمقرّ المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل، لا حديث عند المهتمّين والمنخرطين بالشأن السياسي إلا المسيرة التي أقرّها هذا الإطار يوم 17 أكتوبر القادم.

ارتكز البيان المُشترك المُمضى من قبل 9 منظمات وهيئات على محوريْن أساسيّيْن؛ الأول اقتصادي اجتماعي يحتجّ على تدهور القدرة الشرائية وانهيار الأوضاع الاجتماعية، أما الثاني فيُسائل مناخ خنق الحريات الذي انتهجته السلطة وأجهزة الدولة.

ويبدو أنّ صياغة البيان كانت جامعة قدر الإمكان -بنيّة إنجاح محطّة 17 أكتوبر- وهو ما يُفسّر إعلان التحاق عدّة أحزاب سياسية -صاغت بيانها المشترك- وانخراط عدد من المناضلين والمناضلات الذين اعتادوا الاحتجاج في الشوارع خلال السنوات الماضية عبر عريضة مواطنيّة تدعو إلى المشاركة الحاشدة.

كذلك، سمحت الدعوة إلى المسيرة قبل 19 يومًا بالدعاية الجيّدة لها والإعداد المُسبق والتنسيق والتشاور حول مطالبها وشعاراتها وإلخ. وهو ما يعكس مراهنة المنظّمين على هذا الحدث لإعادة ترتيب الأوراق وخلق ميزان قوى جديد يستعيد بعض المُربّعات المفقودة خلال السنوات الفارطة.

السلطة تخنق الاحتجاج، لكنّها تدفع نحوه دفعًا

التجأ النظام عامة -في تناغم وانسجام بين سلطته وأجهزته- إلى إخماد التحرّكات الاجتماعية عبر احتوائها ببعض الخطابات المُرتكزة على التسويف وتحويل وجهة المسؤوليات إلى الغرف المظلمة والمتآمرين، وإلى قمع التحركات السياسية المطالبة بالحريات والزجّ بالمناضلين والناشطين في سجونها وكسر شوكتهم عبر التتبّعات القانونية والأحكام السالبة للحرية، حتى وإن كانت في بعض الأحيان مع تأجيل التنفيذ.

ومع تمكّنها من ضرب أغلب الاحتجاجات والتحركات، كانت السلطة نفسها تدفع نحو تنسيق كان بالأمس بعيد المنال، نظرًا لانشغال المكوّنات والهيئات بترتيب بيتها الداخلي. أي أنّ السلطة ضيّقت على الاحتجاج، ولكنّها لم تستطع غلق قوسه. ممّا أتاح منفذًا لتشكّل ملامح جبهة سياسيّة-اجتماعية على قاعدة البيان المُشترك الذي تم إصداره يوم 29 سبتمبر.

وبذلك، كانت السلطة قادح هذا التنسيق والعمل المُشترك المنتظر-الذي سيتطوّر لاحقًا في صورة نجاح المحطّة الأولى- عبر رفضها كلّ حوارٍ ممكن وعبر “نجاحها” في توسيع دائرة الأعداء وتضييق دائرة الأصدقاء، في تناقضٍ صارخٍ مع متطلّبات العمل السياسي وأبجديّاته.

ومن المؤكّد أن السلطة تراقب ما يحدث بقلق بالغ، وإن بدا عليها الهدوء واللامبالاة، فهي تعرف أنّ كرة الثلج دائمًا ما تتعاظم، وأنّ الأحداث يُمكن في أيّ لحظة أن تخرج عن سيطرتها، خاصّة في ظلّ واقع إقليمي ودوليّ يزداد تعقيدًا.

رهانات 17 أكتوبر القادم

يعلم منظّمو المسيرة، وعلى رأسهم الاتحاد العام التونسي للشغل، أنّ موازين القوى ليست لصالحهم وتعلم السلطة أنها لم تكسب المعركة حتى الآن. نحن إذًا أمام لاعبيْن يعلمان جيّدا أن “الكش مات” مازالت بعيدة المنال، وهما مطالبان في الوقت الراهن بتغيير أوضاع الرقعة وباتخاذ تكتيكات يسودها الحذر، ولكنّها تهدف في الآن ذاته إلى تحسين وضعيتهما على رقعة الشطرنج.

فالاتحاد العام التونسي للشغل -وهو صاحب القاعدة الأوسع بين المنظمين- قد قرّر خوض معاركه، وإن بدا الأمر متأخرًا بعض الشيء. فالوقت لم يعد لصالحه، خاصّة بعد ضرب موارده الماليّة وإلغاء الاقتطاع الآلي، في خطوة غير مسبوقة مثّلت ضربة موجعة لامتداده وإشعاعه، إضافة إلى هشاشة وضعه الداخلي وغضب عديد النقابيين من القيادة السابقة ونفورهم من المؤتمر الأخير. فالاتحاد لن يذهب إلى الأقصى وسيتحلّى بهامش الحذر والحيطة، ولعلّه فقط يرجو إحراز نقطة تكتيكية في الوقت الحالي، قد تكون مُرضية بالنسبة له. وهذا ما عبّر عنه السالمي، أمينه العام، في أكثر من مرّة، آخرها الكلمة التي ألقاها بمناسبة افتتاح المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين يوم 10 أكتوبر. إذ أكّد بوضوح أنّ ما أوصل الاتحاد إلى هذه النقطة هو “رفض الحوار” من قِبَل السلطة و”غياب المفاوضات الاجتماعية”.

ذلك هو سقف الاتحاد إذا في الوقت الحالي : استرجاع شيء من هيبته المفقودة وإعادة التواجد في المشهد الرسمي…

من جانبها، لا تبدو بقية المنظمات أكثر طموحًا- لعلمها المُسبق بأوضاعها الداخلية ولصعوبة المرحلة التي تمرّ بها هي ومنظوريها- فيكفيها في الوقت الحالي أن تنال بعض الإجراءات السياسية كإلغاء المرسوم 54، وليس تنقيحه، والإفراج عن الصحفيّين والمسجونين على خلفيّة آرائهم وإعادة شيء من الحرية إلى الفضاءات العامّة.

هذا السقف الذي تُعَبِّر عنه الهيئات والمنظمات ليس بالهيّن، قياسًا بما وصلت إليه الأمور من تدهور وانسداد اجتماعيّيْن وسياسيّيْن، وقد يُشكّل مرتكزًا للمطالبة بما هو أكثر إذا لاقت المسيرة نجاحًا مُنتظرًا.

ولكن، وكما تعوّدنا منذ سنوات عدّة، لن تكون المسيرة في انسجام تامّ وكلّي، وستكون المسيرة مسيراتٍ عدّة من زاوية الشعارات والمطالب. وهُنا تكمن صعوبة الأمر، إذ لا بدّ من الحفاظ على وحدة سيْر المسيرة ومسارها لإيصال الرسالة المُبتغاة مع التحلّي بأكبر قدر من الليونة في التعامل مع الشعارات المُختلفة أو ذات السقف الأعلى. ذلك إن أراد الجميع إنجاح محطة 17.

مالذي سيتغيّر بعد مسيرة 17 أكتوبر؟

يبدو أن الجميع يقف أمام تحدٍّ واضح يوم 17 أكتوبر، فمن نظّم ووجّه دعوات التظاهر يبحث عن إرسال إشارة جدّية إلى السلطة القائمة مفادها “أنّنا ماضون في توسيع دائرة الحلفاء وفي تصعيد الاحتجاج” مستعينين بالأوضاع الاجتماعية القاسية التي قد تقود إلى التحاق مزيد من التونسيين والتونسيات في المحطات المقبلة، خاصة مع الخيبات المتكرّرة التي أنتجتها السلطة لمناصريها قبل خصومها، وآخرها عودة مسيرة الكرامة التي انطلقت من منزل بوزيان قاطعةً مئات الكيلومترات من حيث جاءت دون تحقيق مكاسب أو حتى وعود للمعطّلين عن العمل ومن طالت بطالتهم بتفعيل القانون عدد 18 المتعلّق بانتدابهم، وتنامي حركتهم في الجهات.

من جهتها، تنتظر السلطة فشل المسيرة بفارغ الصبر، لإنفاذ خطابها بشكل شبه تام، فإذا لم تنجح تسعة منظمات وهيئات داعية وأحزاب عدّة ملتحقة، وعدد من المناضلين والمناضلات المستقلّين في التعبئة والحشد، فلن تكفّ السلطة عن التبجّح بهذا النجاح الباهر وعن التأكيد على ضعف مشروعيّة كلّ من يعارضها أو حتى ينتقد خياراتها. وهي تُعوّل في ذلك على الضعف التنظيمي واهتراء « الماكينات » الذي صار باديًا على معارضيها خلال السنوات الأخيرة.

حتى الآن، فإنّ ظروف إنجاح مسيرة 17 أكتوبر وشروطه موجودة بالفعل، رغم كلّ الهنات الهيكليّة التي تعتري المنظّمين، ولكن تظلّ المفاجئات قائمة وممكنة. فمن يُعوّل على هذه الهنات من أجل فشل هذا الخيار عليه بالعودة إلى “اتحاد عبد السلام جراد” الذي لم يكن في أفضل حال، بيْدَ أنّه انصاع تحت قوة الضغط إلى الالتحاق بانتفاضة 17 /14. أما من يبحث عن التغيير فلا يجب أن يضع كلّ بيضه في سلّة واحدة أوأن يكتفي بانتظار الخطوات التي سيأتي بها الإطار التنسيقي.

وفي كلّ الحالات تظلّ السيناريوهات مفتوحة، ويتأكّد أنّ قوس الاحتجاج لن يُغلق في الوقت الراهن، وقد نرى دعواتٍ للتصعيد ولإعلان الإضراب العام عمّا قريب. ومن يدري قد نشهد شتاءً ساخنًا من جديد…

انحياز

شارك هذا المقال:

عن رهانات مسيرة 17 أكتوبر | أنساق