بيان الأحزاب الديمقراطية واليسارية (28 أوت 2026) محق في تشخيص خطورة أزمة الماء والكهرباء وفشل السلطة في تأمين أبسط مقومات العيش، لكنه يُخطئ التسمية: يصفها بـ"فشل منوال ليبرالي"، بينما الوقائع تُثبت العكس تماما.
STEG وSONEDE، الشركتان المسؤولتان مباشرة عن الأزمة، احتكاران عموميان بلا أي منافس مباشر أو غير مباشر.
العقل الإقتصادي السائد اليوم و الذي يقرأ بوضوح كبير في مخطط التنمية 2026-2030 (600 صفحة) لا يذكر "الخصخصة" ولا "اقتصاد السوق" ولو مرة واحدة، بينما يتضمن تسع إشارات لتعزيز دور المؤسسات العمومية. مؤشرات دولية مستقلة (تراجع تصنيف دافوس من المرتبة 32 إلى 92، تدهور مؤشر سهولة ممارسة الأعمال) تؤكد اتجاها معاكسا تماما لأي "تحرر ليبرالي" مزعوم. و تونس لم تكن يوما دولة سوق ليبيرالي .. حتى من زمن المرحوم الهادي نويرة.
التوصيف الحقيقي و الدقيق للإقتصاد التونسي في عقله و ممارساته هو "اقتصاد ريعي حكومي "، إقتصاد مغلق ، بدون رؤية و لا تخطيط استراتيجي حقيقي ولا سوق تنافسية و لا متوقع في سلاسل القيمة العالمية، بل توزيع امتيازات وفق الولاء السياسي، وعجز استثماري تراكمي في شبكات تملكها الدولة وتُديرها وحدها منذ عقود، لا إبتكار و لا مبادرة خاصة.
نقطة تستحق التدقيق بأمانة: صحيح أن القطاع الخاص المُنتِج للمياه المعلبة شهد هو الآخر نقصا حادا خلال الأزمة، وهي واقعة لا يجوز تجاهلها أو التقليل من شأنها. لكن السبب موثَّق ومباشر: أدت اضطرابات الكهرباء ذاتها (فشل STEG) إلى إبطاء أو توقف خطوط إنتاج المياه المعدنية الخاصة نفسها، إلى جانب ارتفاع الطلب غير المسبوق خلال موجة الحر و إضطراب في آليات التخزين من جراء سياسات عمومية إعتباطية أي أن فشل القطاع الخاص هنا كان نتيجة تبعية لفشل الاحتكار العمومي للطاقة، لا فشلا سوقيا مستقلا ناتجا عن منطق ليبرالي بحد ذاته — الحلقة السببية تبدأ وتنتهي عند الدولة ومرفقها الاحتكاري و عند سياساتها العمومية.
أما بخصوص التموضع الفكري: يحمل البيان توقيع أحزاب تصف نفسها بـ"الديمقراطية واليسارية"، من بينها حزب "اشتراكي" صراحة. لكن الاشتراكية الديمقراطية بصيغتها التاريخية الصريحة — تأميم واسع مقترن بمساءلة برلمانية صارمة لأداء المؤسسات المؤمَّمة (دولة الرفاه البريطانية 1945-1979 كمرجع) — اندثرت عمليا كنموذج حكم فعلي في كل مكان تقريبا منذ الثمانينات، حتى لدى الأحزاب التي لا تزال تحمل اسمها. الدفاع عن ملكية الدولة بمعزل عن مساءلتها وكفاءتها ليس اشتراكية ديمقراطية بأي معنى تاريخي دقيق، بل استمرار لنفس المنطق الريعي الذي يُفترض أن يُناهضه اليسار أصلا.
المدرسة الحيّة والمُطبَّقة فعليا اليوم في الاقتصادات المختلطة الناجحة إذا إستثنينا الإقتصادات الليبيرالية الرأسمالية هي اقتصاد السوق الاجتماعي (ألمانيا، النمسا، هولندا): سوق تنافسية صارمة الانضباط المؤسسي — قانون منافسة فعّال ومستقل، تأمين اجتماعي إلزامي، تسيير مشترك نقابي داخل بعض الشركات — لا دولة مالكة تحتكر المرافق بلا حساب ولا رقيب. الفارق الحاسم ليس في حجم الملكية العمومية (فألمانيا نفسها تملك سكك حديدها وجزءا واسعا من مرافقها)، بل في خضوع هذه الملكية لانضباط تنافسي وقانوني صارم لا تُعفى منه أبدا — وهو بالضبط الغائب كليا في حالتي STEG وSONEDE اليوم.
من يحكم فعليا في شركاتنا العمومية ؟ صودرت مهام محالس الإدارة في أغلبها لصالح سلطة الإشراف الحكومية و تقلص دور الإدارات العامة إلى تسيير محدود الصلاحيات.
كان يمكن لبيان الأحزاب اليسارية أن يكون أقوى وأصدق وأكثر انسجاما مع مرجعية اليسار نفسه ،كان بإمكان البيان طرحه: ليست "الليبرالية" هي المشكلة، بل غياب المساءلة والمنافسة عن دولة تملك كل شيء تقريبا ولا تُحاسَب على شيء تقريبا. تسمية الداء باسمه الصحيح شرط أول لا غنى عنه لعلاجه.
بل يمكن القول، على سبيل المزاح الجادّ لا الجزم العلمي: لو استعرنا مفردات البيان نفسها، فإن "الجزء الاشتراكي" الوحيد الباقي فعليا وبنقاء كامل في المنوال التونسي — الملكية العمومية المطلقة والحصرية لقطاعي الماء والكهرباء، دون أي شريك خاص أو حتى منافس نظري — هو بالضبط ما تسبب في الأزمة؛ لا الجزء الليبرالي الذي يُفتِّش عنه البيان في مكان لا وجود له فيه أصلا.

