طالما اختزلنا معضلتنا السياسية في العالم العربي في شخص الحاكم المستبد: يسقط، فتسقط معه الدكتاتورية، وتُفتح الطريق تلقائيا، ودون عناء، أمام الحرية والديمقراطية والعدل. لكن تجاربنا البعيدة والقريبة تشي بأن الأمر أكثر تعقيدا. فقد يسقط الحاكم، ويتغير النظام، وتُكتب الدساتير المستنيرة، وتُجرى الانتخابات الحرة، ثم نكتشف أن الاستبداد لم يغادر تماما، بل غيّر شكله ووجد لنفسه مسارب جديدة.
ذلك لأن الاستبداد ليس مجرد حاكم، بل بنية من الأفكار والممارسات والعلاقات، وثقافة يمكن أن تستمر حتى بعد رحيل المستبد. فالمشكلة لا تكمن في شخصه وحده، بل اساسا في الثقافة التي أتاحت له أن يحكم بلا رقابة، وفي عقلية قبلت أن تكون السلطة فوق المساءلة، وأن يُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدا، وإلى الخصم بوصفه عدوًا. ثقافةٌ تجعلنا ننتظر "الزعيم المنقذ "، بدل أن نبني دولة المؤسسات، دولة لا أحد فيها فوق القانون، ولا سلطة فوق المساءلة.
ثقافة الاستبداد:
ولهذا فإن السؤال الأصعب ليس: كيف نتخلص من المستبد؟ بل لماذا نعود، كلما خفنا من الفوضى أو عجزنا عن إدارة اختلافاتنا، إلى البحث عن حاكم قوي ينقذنا منها؟ فالمستبد لا يصنع ثقافته وحده، إنه يستفيد من بيئة سياسية واجتماعية تشكلت عبر قرون من الخوف والريبة وضعف المؤسسات وتهميش المشاركة وتقديس السلطان. ومن ثم فإن التخلص من الاستبداد لا يعني مجرد تغيير من يجلس في السلطة، بل تغيير علاقتنا بالسلطة نفسها: كيف نراقبها، ونحاسبها، ونختلف معها، ونمنعها من تجاوز القانون.
والاستبداد ليس مجرد حاكم يحتكر القرار ويقمع الحريات، بل هو أيضا طريقة في النظر إلى السلطة والاختلاف، إنه ثقافة تجعل الطاعة فضيلة، والنقد إزعاجا، والمعارضة تهديدا، والاختلاف مصدرا لكل المخاطر. وفي مثل هذه الثقافة، نبحث عن "زعيم قوي" و "حازم" يحسم الأمور بسرعة أكثر مما نبحث عن مؤسسات قوية تحكمها القواعد ونراهن على عدالة الحاكم أكثر من المراهنة على عدالة القوانين والمؤسسات.
ازدواجية المبادئ:
والأخطر أن هذه الثقافة لا تبقى حكرا على السلطة، بل تتسلل إلى المجتمع والمعارضة والأحزاب والنخب، فنغيّر مبادئنا بتغيّر موقعنا من الحدث: نرفض القمع حين يقع علينا، ونبحث له عن مبررات حين يطال خصومنا.
ولعل القضاء يكشف هذه الازدواجية في أوضح صورها، فنطالب باستقلاله حين نراه ضمانة لنا، ونشكك فيه حين لا تأتي أحكامه على هوانا، ثم نصمت عن المساس بضمانات المحاكمة عندما يكون المستهدف خصما سياسيا. ومن حيث لا ندري، يفقد القانون معناه: إذ لا تعود الحقوق قواعد تحمي الجميع، بل تصبح مواقف انتقائية تتبدل بتبدل من يستفيد منها ومن يدفع ثمنها. فإذا كانت الحرية لنا وحدنا، والعدالة لصفّنا، والقانون على خصومنا، فنحن لا نرفض منطق الاستبداد، نحن نرفض فقط أن نكون نحن ضحاياه.
ومن هنا يتحول الاختلاف السياسي بسهولة من اختلاف حول الأفكار والبرامج إلى خصومة شخصية، ثم إلى تخوين وإقصاء. لا نناقش فكرة الآخر، بل نشكك في نواياه، ولا نرد على حجته، بل نفتش عن تهمة نلصقها به. وهكذا، يصبح المعارض خائنا، والناقد متآمرا، والمختلف عدوّا، ومن يرفض الاصطفاف شخصا مشبوها. وبهذا المعنى، تنتقل السياسة من التنافس بين مشاريع إلى صراع على الشرعية نفسها: من يحق له أن يتكلم؟ ومن يحق له أن يمثل الوطن؟ ومن يملك حق توزيع صكوك الوطنية؟
وتزداد المعضلة تعقيدا عندما تتحول الأفكار إلى أيديولوجيات منغلقة. وهنا ليس العيب أن تكون لنا مقاربات دينية أو قومية أو يسارية أو ليبرالية مختلفة، فالتعدد شرط من شروط الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى حقيقة مطلقة، ويعتقد كل طرف أنه لا يملك رؤية من بين رؤى أخرى، بل يملك الحقيقة نفسها، وأن من يختلف معه خائن أو متامر او عدو، عندها يتحول الخلاف من تنافس بين مشاريع إلى صراع بين هويات، ويصبح التراجع أو الاعتراف بالخطأ هزيمة، والتوافق تنازلا عن المبادئ. وحين تتحول الفكرة إلى يقين مغلق، يصبح نقدها إهانة، ويكون إقصاء المختلف دفاعا عن الحقيقة "النقيّة".
احتكار الحقيقة:
وهنا تكمن إحدى أخطر مآزق تجربتنا التونسية: أن الخلاف لا يبقى حول ما ينبغي أن تكون عليه الدولة، بل يتحول سريعا إلى سؤال حول من يملك الحق في تعريف الدولة والمجتمع والوطن والاقتصاد وتحديد المستقبل. وحين يعتقد كل طرف أنه وحده يمثل "الحقيقة" أو "الشعب" أو "المصلحة الوطنية"، تصبح الديمقراطية نفسها ساحة للصراع على إلغاء الاختلاف، لا وسيلة لإدارته. وبذلك حتى وان نسقط الاستبداد السياسي، فإننا نعيد إنتاج منطقه واسلوبه بأدوات أخرى: احتكار الحقيقة بدل احتكار السلطة، وإقصاء المختلف بدل الحوار معه.
وهذا يفسر جانبا من صعوبة التحولات الديمقراطية عندنا. فقد كانت الشعوب، في لحظة ما، قادرة على كسر حاجز الخوف والثورة على الاستبداد، لكنها لم تكن مهيأة لإدارة التعدد الذي ظهر بعد انفتاح المجال العام. كان الاتفاق على ما نرفضه أسهل بكثير من الاتفاق على ما نريد بناءه. وعندما ضعفت الثقة، وهشّت المؤسسات، وتعمقت الانقسامات، تحولت السياسة من تنافس حول البرامج إلى صراع حول من يملك حق تمثيل الدولة والمجتمع.
لكن تحميل الشعوب ونخبها وحدها مسؤولية ذلك سيكون تبسيطا ظالما، فثقافة الاستبداد تشكلت عبر عقود من أنظمة أضعفت المؤسسات، وضيقت المجال العام، وجعلت المواطن يتعلم أن الصمت أكثر أمانا من الكلام، وأن القرب من السلطة أكثر فائدة من مراقبتها.
الديمقراطية ممارسة لا لحظة:
لذلك لا يمكن أن نطلب من مجتمع عاش طويلا في ظل الخوف أن يتحول بين عشية وضحاها إلى مجتمع ديمقراطي مكتمل الممارسة، فسقوط المستبد قد يحرر المجتمع من الخوف، لكنه لا يحرره تلقائيا من ثقافة الاستبداد السائدة. والديمقراطية لا تُمنح بعد سقوط الحاكم، بل تُبنى حين نتعلم، في الممارسة اليومية، أن السلطة مؤقتة، وأن الاختلاف حق، وأن القانون فوق الجميع. وهي لا تعني أن نتفق جميعا، بل أن نقبل بأن لا أحد يملك الوطن أو الحقيقة وحده، وأن الأغلبية يمكن أن تخطئ، وأن المعارضة قد تصبح أغلبية، وأن من يخسر الانتخابات لا يفقد حقه في الوطن.
ثقافة المؤسسات:
ومن هنا فإن بناء الديمقراطية يتطلب أكثر من تغيير رأس السلطة، إنه يتطلب تغيير علاقتنا بها: من ثقافة تبحث عن الزعيم إلى ثقافة تثق بالمؤسسات، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للقواعد، ومن الطاعة والولاء إلى المواطنة، ومن اعتبار النقد خيانة إلى اعتباره حقّا، ومن الرغبة في إسكات الخصم إلى القدرة على مواجهته بالحوار والحجة. وهذا لا يعني أن الديمقراطية مستحيلة عندنا، بل يعني أنها أصعب مما تصورنا. فهي لا تحتاج إلى شعوب مثالية ولا إلى سياسيين ملائكة، وإنما إلى مؤسسات تحد من السلطة، وقواعد تحمي الحقوق، ومواطنين يقبلون بأن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة العامة. الديمقراطية لا تمنع الخطأ، لكنها تمنع الخطأ من أن يصبح قدرا دائما، ولا تلغي الصراع، لكنها تمنع الصراع من التحول إلى حرب على الدولة والمجتمع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن جاهزون للديمقراطية؟ بل: هل تعلمنا من دروس الماضي؟ وهل نحن مستعدون لتغيير الثقافة التي جعلت الاستبداد ممكنا؟ فإذا ظللنا نبحث عن "المستبد العادل"، وعن "الزعيم الذي لا يخطئ"، وعن الحاكم الذي يعرف مصلحة الشعب أكثر من الشعب نفسه، فسندور في الحلقة المفرغة ذاتها، مهما تغيرت الوجوه والشعارات. أما إذا تعلمنا أن الحرية لا تكتمل إلا بقبول حرية الآخرين، وأن السلطة يجب أن تخضع للقانون، وأن الاختلاف ليس خيانة، وأن المؤسسات أهم من الأشخاص، فإن الديمقراطية تصبح ممكنة، حتى وإن ظلت صعبة.
لهذا، فالتحدي الحقيقي ليس إسقاط المستبد فحسب، بل إسقاط الثقافة التي تمنحه شرعيته، والعقلية التي تبحث عنه، والمنطق الذي يبرر سلطته. وحين نقبل بالاختلاف، ونخضع السلطة للقانون، ونحمي حقوق خصومنا كما نحمي حقوقنا، نكون قد بدأنا إسقاط الاستبداد نفسه، لا مجرد تغيير وجهه.
مسعود الرمضاني

