قطار التغيير في تونس..
مقالات راي 3 سبتمبر 2026

قطار التغيير في تونس..

بقلم: ameurayed

منذ 25 جويلية 2021، دخلت تونس مسارًا سياسيًا جديدًا، عبّر عن نفسه من خلال انقلاب رثّ، كان واضحا أنه يحمل، في طياته أسباب فشله.

يومها انطلق قطار التغيير، لكن أحدًا لم يكن يعرف على وجه الدقة إلى أين سيتجه، ولا كم سيستغرق سفره، ولا من سيكون في عرباته عندما يصل إلى محطته الأخيرة. غير أن شيئًا واحدًا كان يقوده نحو وجهته: الأمل في التغيير.

في الأيام الأولى، ساد الاعتقاد لدى البعض أن ما حدث قد يكون مجرد تصحيح لمسار ديمقراطي تعثر، أو إعادة ترتيب للمشهد السياسي للتخلص من الخصوم، أو فرصة للخروج من حالة الانسداد التي كانت تعيشها البلاد. لكن السنوات اللاحقة غيّرت الكثير من القناعات.

شيئًا فشيئًا، بدأت عربات القطار تمتلئ بركاب جدد. في كل محطة كان يصعد فريق جديد، لأسباب مختلفة، ومن مواقع مختلفة، وبخطاب مختلف. بعضهم جاء من المعارضة السياسية، وبعضهم من الوسط الاجتماعي والنقابي، وبعضهم من عالم الحقوق والحريات، وبعضهم دفعته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى الالتحاق بالحراك.

ولم يكن هؤلاء جميعًا متفقين على شيء واحد، بل ربما كانوا يختلفون في أشياء كثيرة. لكنهم بدأوا، مع مرور الوقت، يكتشفون أنهم يتحركون في الاتجاه نفسه. وهذه هي المفارقة التي تستحق التوقف عندها اليوم.

فما كان يبدو في البداية احتجاجات حزبية وسياسية متفرقة، أخذ يتحول تدريجيًا إلى مسار عام للتغيير. هناك اليوم حراك سياسي يتوسع، وقوى كانت متباعدة بالأمس تجد نفسها أمام الحاجة إلى الحوار والتنسيق.

وهناك حراك اجتماعي يتصاعد، لا تحركه بالضرورة شعارات سياسية كبرى، وإنما تدفعه أوضاع الناس اليومية، من البطالة وغلاء المعيشة إلى تدهور الخدمات، وشعور متزايد بأن الدولة لم تعد تستجيب لما ينتظره المجتمع منها.

وهناك أيضًا مجتمع مدني ومنظمات وهيئات وطنية بدأت ترفع صوتها دفاعًا عن المجال العام والحريات واستقلال المؤسسات، على غرار البيان الثلاثي الأخير الذي أصدرته بعض أهم المنظمات الوطنية.

قد تختلف هذه القوى في لغتها وأولوياتها وحساباتها، لكنها تلتقي عند قناعة أساسية: أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولًا، وأن البلاد تحتاج إلى تغيير سياسي يعيد فتح الطريق أمامها.

فالتغيير في تونس لم يعد مشروع جماعة واحدة، ولا مهمة حزب واحد، ولا قضية نخبة سياسية بعينها. لقد أصبح، شيئًا فشيئًا، تجميعًا لمسارات مختلفة داخل حراك واحد، بما يجعله مطلبًا وطنيًا جامعًا.

كل أزمة دفعت فئة جديدة إلى البحث عن مكان داخل القطار. وكل تضييق على الحريات، وكل فشل اقتصادي، وكل أزمة اجتماعية، وكل انسداد سياسي، كان بمثابة محطة أخرى يصعد فيها ركاب جدد.

لكن القطار، مهما كثر ركابه، لا يستطيع أن يواصل رحلته إلى ما لا نهاية من دون أن يعرف وجهته. فالتغيير ليس مجرد إسقاط وضع قائم، وإنما هو أيضًا القدرة على بناء البديل.

وهذا هو التحدي الذي ينتظر القوى السياسية والاجتماعية والمدنية التي وجدت نفسها، بطريقة أو بأخرى، داخل قطار التغيير:

- هل تستطيع أن تنتقل من الاجتماع على رفض الواقع إلى الاتفاق على المستقبل ؟

- هل تستطيع أن تتجاوز خلافاتها القديمة، وأن تميز بين ما يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتقال، وما يجب الاتفاق عليه منذ الآن ؟

- وهل تستطيع أن تدرك أن نجاح المرحلة القادمة لن يكون بانتصار طرف على طرف، وإنما بقدرة الجميع على بناء صيغة سياسية جديدة تستوعب الاختلاف، وتعيد للمؤسسات شرعيتها، وللمجتمع قدرته على الاختيار ؟

ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث لهذا القطار هو أن يتحول الركاب إلى متنافسين على المقود. فالقطار الذي تتصارع داخله المجموعات على من يقود، قد يصل إلى المحطة التالية، لكنه قد لا يصل إلى المحطة التي يريدها الجميع. لذلك، فإن الأولوية اليوم ليست أن يتفق التونسيون على كل شيء. هذا غير ممكن، وربما ليس مطلوبًا أصلًا. إنما المطلوب أن يتفقوا على قواعد الرحلة ووجهتها الأولى.

لقد انطلق القطار منذ سنوات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس:

هل هناك تغيير قادم ؟ بل: من سيحدد وجهة هذا التغيير؟

وهل سيكون التغيير نتيجة تراكم عفوي للأزمات والاحتجاجات، أم سيتحول إلى مشروع وطني واعٍ تشارك في صياغته القوى السياسية والاجتماعية والمدنية؟

ذلك أن التاريخ لا يمنح دائمًا الفرصة نفسها مرتين. وقد تكون تونس اليوم أمام لحظة من تلك اللحظات التي يتقاطع فيها الحراك السياسي مع الحراك الاجتماعي، وتلتقي إرادة التغيير مع الحاجة إلى بناء البديل.

ولذلك، سيكون من المهم أن نقدم، هذه المرة، إجابة جماعية عن السؤال الذي لا يمكن تأجيله:

إلى أين نريد لتونس أن تذهب؟

رياض الشعيبي

شارك هذا المقال:

قطار التغيير في تونس.. | أنساق