قيادي سابق في "الإنقاذ" الجزائرية يغادر السجن بعد 3 سنوات بسبب بيان دعا للحوار
مقالات راي 12 أكتوبر 2026

قيادي سابق في "الإنقاذ" الجزائرية يغادر السجن بعد 3 سنوات بسبب بيان دعا للحوار

بقلم: ameurayed

غادر الشيخ علي بن حجر، القيادي السابق في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر، سجن الحراش بالعاصمة، الاثنين 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد استكمال عقوبة بالسجن ثلاث سنوات نافذة، على خلفية بيان سياسي صدر في 29 أيلول/سبتمبر 2023 باسم "إطارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأصيلة"، ودعا إلى الحوار ورفع القيود المفروضة على النشاط السياسي.

ويعيد الإفراج عن بن حجر، بعد سنوات من الاحتجاز على خلفية نشاط ذي طابع سياسي، تسليط الضوء على واقع الحريات العامة في الجزائر، ولا سيما حدود ممارسة المعارضة السياسية، وإمكان التعبير عن المواقف الجماعية خارج الأطر التي تقبلها السلطات، فضلاً عن طبيعة التعامل القضائي مع البيانات والمواقف التي تصدر عن شخصيات تنتمي إلى تيارات سياسية معارضة.

ولا تتعلق القضية، وفق الشيخ علي بلحاج فبي تصريحات لـ "عربي21"، بشخص بن حجر وحده، إذ امتدت الملاحقات إلى مجموعة من المتهمين الذين ارتبطت متابعتهم بالبيان نفسه، ما يجعلها تثير أسئلة أوسع بشأن العلاقة بين الأمن والقضاء من جهة، وحرية التعبير والتعددية السياسية من جهة أخرى.

من بيان يدعو إلى الحوار إلى أحكام بالسجن

تعود وقائع القضية إلى 29 أيلول/سبتمبر 2023، عندما صدر بيان باسم "إطارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأصيلة"، تضمن دعوة إلى الحوار ورفع القيود المفروضة على النشاط السياسي.

وبحسب المعطيات الواردة بشأن القضية، لم يقتصر الأمر على الجدل السياسي الذي أثاره البيان، بل أعقبته إجراءات قضائية شملت 17 متهماً أُوقفوا على خلفيته، فيما حوكم متهمان آخران غيابياً.

وفي 8 شباط/فبراير 2026، أصدرت محكمة الجنايات الاستئنافية بالجزائر العاصمة أحكامها في القضية، فخفضت العقوبة الصادرة بحق بن حجر من أربع سنوات إلى ثلاث سنوات حبساً نافذاً، بينما قضت بسجن 16 متهماً آخرين لمدة عامين نافذين، مع الإفراج عنهم بعد احتساب مدة توقيفهم.

وتكشف هذه التفاصيل عن اتساع نطاق القضية، التي لم تقتصر على صاحب موقع سياسي سابق، بل شملت مجموعة من الأشخاص الذين ارتبطت متابعتهم ببيان واحد.

ويبرز هنا سؤال جوهري: كيف يمكن التوفيق بين حق الدولة في تطبيق قوانينها وحماية النظام العام، وبين ضرورة ضمان ألا تتحول المواقف السياسية، في حد ذاتها، إلى سبب للعقاب الجنائي؟

ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بصورة قانونية حاسمة من دون الاطلاع على منطوق الأحكام، والتهم المحددة التي أُدين بها المتهمون، وتعليل المحكمة لقراراتها، وطبيعة الأدلة التي استندت إليها. غير أن الوقائع المعلنة بشأن القضية تجعل من الضروري إخضاع حدود التجريم ومعايير التناسب بين الأفعال والعقوبات لنقاش عام وحقوقي.

علي بن حجر.. اسم من مرحلة سياسية مضطربة

يُعد علي بن حجر من الشخصيات التي ارتبط اسمها بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي شكلت أحد أبرز مكونات المشهد السياسي الجزائري خلال مطلع تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تدخل البلاد مرحلة شديدة الاضطراب أعقبت إلغاء المسار الانتخابي في كانون الثاني/يناير 1992، وما تلا ذلك من مواجهات وأعمال عنف واسعة.

وتكتسب قضية بن حجر دلالتها من هذا الامتداد التاريخي؛ فهي تتصل بشخصية سياسية سابقة تنتمي إلى تيار ظل حضوره مثار خلاف في الجزائر، في ظل استمرار الجدل بشأن إرث التسعينيات، وحدود إدماج التيارات الإسلامية في الحياة العامة، وشروط إعادة فتح المجال أمام التعبير السياسي المستقل.

لكن الخلفية التاريخية للشخصية لا تحسم، في ذاتها، مشروعية أي ملاحقة قضائية تتعلق بها. فالمعيار الحقوقي والقانوني يقتضي النظر إلى الأفعال المحددة محل المتابعة، والأدلة المقدمة بشأنها، ومدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة، بصرف النظر عن الهوية السياسية للمتهم أو ماضيه.

ومن هذه الزاوية، تتجاوز القضية النقاش المتعلق بموقف الدولة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى مسألة أوسع: هل يستطيع أصحاب التوجهات السياسية المختلفة التعبير عن آرائهم والدعوة إلى الحوار والمشاركة العامة ضمن ضمانات قانونية واضحة؟

حرية التعبير بين النصوص القانونية والممارسة


ورأى بلحاج أن قضية بن حجر تثير نقاشاً بشأن الضمانات التي ينبغي أن تحكم التعامل مع الخطاب السياسي في الجزائر، خصوصاً عندما يصدر عن شخصيات أو مجموعات معارضة.

وقال: "حرية التعبير لا تقتصر على الآراء التي تحظى بالقبول الرسمي أو المجتمعي، بل تشمل، وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مساحة واسعة من المواقف والانتقادات والدعوات السياسية، مع إمكان فرض قيود محددة تستوفي شروط الشرعية والضرورة والتناسب، وتحمي مصالح مشروعة من بينها حقوق الآخرين والأمن العام".

ولفت الانتباه إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه الجزائر، يكرس في مادته التاسعة الحق في الحرية والأمان الشخصي، ويحظر التوقيف أو الاحتجاز التعسفي. كما تنص مادته التاسعة عشرة على حماية حرية الرأي والتعبير، وتحدد الشروط التي ينبغي أن تستوفيها القيود المفروضة على ممارستها.

وبموجب هذه المعايير، وفق بلحاج، لا يكفي وجود خلاف سياسي أو صدور بيان معارض وحده لتقييم مشروعية العقوبة؛ بل يتعين النظر في مضمون البيان، والأفعال المنسوبة إلى أصحابه، والأساس القانوني للإدانة، ومدى تناسب العقوبة مع الفعل الثابت قضائياً.

وفي حالة بن حجر، فإن الدعوة إلى الحوار ورفع القيود المفروضة على النشاط السياسي، وفق مضمون البيان كما ورد في المعطيات المتاحة، تجعل من الضروري توضيح الأساس القانوني الذي بُنيت عليه الإدانة، وما إذا كانت التهم تتعلق بمضمون البيان وحده أم بأفعال أخرى أثبتتها المحكمة.

ولا تتوافر في المعلومات المقدمة تفاصيل كافية تسمح بالجزم بهذه النقطة، وهو ما يجعل الاطلاع على حيثيات الحكم أمراً أساسياً لأي تقييم قانوني دقيق.

19 متابعاً في قضية واحدة.. أسئلة بشأن التناسب والضمانات القضائية


من أبرز جوانب القضية تعدد المتهمين، إذ شملت الملاحقات، بحسب المعطيات المنشورة، 17 شخصاً موقوفاً ومتّهمين آخرين حوكما غيابياً.

ويثير هذا الامتداد تساؤلات بشأن طبيعة المسؤولية الجنائية لكل متهم على حدة، ومدى التمييز بين المشاركة في إصدار بيان سياسي وبين أي أفعال أخرى قد تكون موضوع اتهام.

فالمسؤولية الجنائية مبدأ فردي، ولا ينبغي أن تقوم على مجرد الانتماء إلى مجموعة أو الاشتراك في موقف سياسي. كما أن ضمانات المحاكمة العادلة تقتضي تحديد الأفعال المنسوبة إلى كل شخص، وتمكينه من الدفاع عن نفسه والطعن في الأدلة وفق الإجراءات القانونية.

ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية عندما تكون القضية مرتبطة بنشاط سياسي جماعي، لأن العقوبات التي تطال عدداً من المشاركين في موقف واحد قد تترك أثراً يتجاوز الأشخاص المعنيين مباشرة، لتؤثر في استعداد آخرين للمشاركة في النقاش العام أو إصدار بيانات مماثلة.

ولا يعني ذلك افتراض أن جميع المتهمين ارتكبوا الفعل نفسه أو أن ظروفهم القانونية متطابقة؛ بل إن تعدد المتابعين يجعل نشر حيثيات الأحكام وتوضيح الأسس التي استندت إليها الإدانة أمراً مهماً لفهم القضية وتقييمها.

كما أن الإفراج عن بعض المحكوم عليهم بعد احتساب مدة توقيفهم لا يلغي الأسئلة المتعلقة بفترة احتجازهم السابقة، أو بمدى تناسب الإجراءات المتخذة بحقهم، أو بآثار الاحتجاز على حياتهم الشخصية والعائلية.

المخاوف الصحية للمحتجزين.. بُعد إنساني لا يقل أهمية


لم تقتصر التداعيات التي أثيرت بشأن القضية على الجانب القضائي والسياسي، بل امتدت إلى الأوضاع الصحية لبعض المحتجزين، في ظل الإشارة إلى أن عدداً منهم متقدمون في السن ويعانون من أمراض مزمنة.

وفي هذا السياق، سلطت منظمة شعاع لحقوق الإنسان الضوء على ملف بن حجر، محذرة من المخاطر الصحية التي واجهها خلال احتجازه، وداعية إلى احترام حقوقه الأساسية.

وتعمل المنظمة، وفق تعريفها المنشور، على رصد أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر وتوثيق الانتهاكات المبلغ عنها والدفاع عن الحريات الأساسية. وقد تناولت في تقارير سابقة قضايا تتعلق بالملاحقات القضائية والقيود المفروضة على النشاط المدني والسياسي في البلاد.

وتستدعي المخاوف المتعلقة بصحة المحتجزين اهتماماً خاصاً، إذ تظل حماية السلامة الجسدية وتوفير الرعاية الطبية الملائمة من الالتزامات الأساسية المرتبطة بالاحتجاز، ولا ينبغي أن تتأثر بالخلافات السياسية أو طبيعة القضايا المنظورة أمام المحاكم.

ومع ذلك، فإن تقييم الوضع الصحي الفعلي لبن حجر خلال فترة سجنه يتطلب الاستناد إلى معلومات طبية موثقة أو بيانات حقوقية تفصيلية، ولا تكفي الإشارة العامة إلى المخاطر الصحية لإثبات وقوع إخلال محدد بالرعاية الطبية.

كما أن مغادرته السجن بعد استكمال العقوبة لا تنهي بالضرورة الحاجة إلى متابعة وضعه الصحي، أو توثيق ما تعرض له خلال الاحتجاز، أو التحقق من مدى حصوله على الرعاية التي كان يحتاج إليها.

سياق أوسع من قضية بن حجر

تأتي القضية في سياق نقاش متواصل بشأن وضع الحريات السياسية والمدنية في الجزائر، ودور القضاء في التعامل مع النشاط المعارض، وحدود استخدام القوانين المتعلقة بالأمن والنظام العام في ملاحقة الأفراد بسبب تصريحاتهم أو أنشطتهم.

وفي تقاريرها المنشورة، تناولت منظمة شعاع لحقوق الإنسان ملفات تتعلق بالملاحقات القضائية للناشطين، والقيود المفروضة على المجتمع المدني، واستخدام نصوص مكافحة الإرهاب في قضايا مرتبطة بالنشاط العام. وتظل هذه التقارير مصدراً لمواقف المنظمة وتوثيقها، مع ضرورة فحص الوقائع والأدلة في كل قضية على حدة.

ويُظهر هذا السياق أهمية التمييز بين أمرين: حق السلطات في ملاحقة الأفعال التي يجرّمها القانون وفق إجراءات عادلة، وضرورة ضمان ألا تكون ممارسة الحقوق الأساسية، بما فيها التعبير عن الرأي والمشاركة في النقاش السياسي، عرضة لقيود لا تستوفي الشروط القانونية والحقوقية اللازمة.

ولا يمكن استنتاج وجود نمط موحد في جميع القضايا من واقعة واحدة، لكن تكرار الأسئلة بشأن حرية التعبير، وأساس التهم، وظروف الاحتجاز، والتناسب بين الأفعال والعقوبات، يجعل الشفافية القضائية والوصول إلى المعلومات من العناصر المهمة في تقييم المشهد الحقوقي.

وتحتاج هذه المسائل أيضاً إلى عرض موقف السلطات الجزائرية، والتهم الرسمية في القضية، والحيثيات القضائية، وأي ردود على الانتقادات الحقوقية، حتى تتضح الصورة من مختلف جوانبها.

الإفراج لا ينهي الأسئلة

ورأى بلحاج أن خروج علي بن حجر من سجن الحراش، بعد استكمال عقوبته، يمثل نهاية لفترة احتجاز امتدت ثلاث سنوات، لكنه لا يضع حداً للنقاش بشأن القضية التي أدت إلى سجنه.

وقال: "السؤال لا يتعلق فقط بموعد الإفراج عن شخصية سياسية سابقة، بل كذلك بحدود التجريم في القضايا المرتبطة بالتعبير السياسي، وبالضمانات التي تحمي حق الأفراد في إعلان مواقفهم والمشاركة في الشأن العام، وبمدى وضوح الأسس القانونية التي تستند إليها الأحكام القضائية".

وتابع: "كما تفتح القضية باباً للنقاش بشأن أثر العقوبات السالبة للحرية على المجال السياسي، خصوصاً عندما تتعلق ببيانات جماعية أو دعوات إلى الحوار. فوجود خلافات سياسية حادة لا يلغي الحاجة إلى ضمانات قانونية واضحة، ولا يعفي مؤسسات الدولة من توضيح الأساس الذي تقوم عليه الإجراءات القضائية".

من جانبه أكد الخبير الأمني الجزائري المعارض كريم مولاي لـ "عربي21"، أنه "بين الإفراج عن بن حجر واستمرار الأسئلة التي أثارتها قضيته، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان مساحة سياسية وقانونية يستطيع فيها المختلفون التعبير عن آرائهم، مع احترام القانون وصون الحقوق والحريات الأساسية".

وأضاف: "الحوار الذي وردت الدعوة إليه في البيان بات اليوم جزءاً من سؤال أوسع بشأن طبيعة المجال العام في الجزائر: ما الحدود التي تفصل بين التعبير السياسي المشروع والفعل الذي يستوجب العقوبة؟ وكيف يمكن ضمان أن تكون تلك الحدود واضحة ومحددة وقابلة للمراجعة القضائية، بما يحفظ حقوق الأفراد ويعزز الثقة في مؤسسات العدالة؟"، وفق تعبيره.

العربي 21

شارك هذا المقال:

قيادي سابق في "الإنقاذ" الجزائرية يغادر السجن بعد 3 سنوات بسبب بيان دعا للحوار | أنساق