كمال الجندوبي يرد على رفيق عبد السلام
مقالات راي 26 أوت 2026

كمال الجندوبي يرد على رفيق عبد السلام

بقلم: ameurayed

في رده على تدوينة الجكتور رفيق عبد السلام القيادي بحركة النهضة والذي اكد وجود محاولات لشق صفوف المعارضة من بعض القوى الخفية قصد ضمان بقاء راس السلطة كتب كمال الجندوبي ردا على هذا القول النص التالي :

هناك شيء طريف في هذا المنشور وفي بعض التعليقات التي صفّقت له: المعارضة أصبحت، بقدرة قادر، مؤسسة لها بوّاب ومصلحة مراقبة حدود ومكتب لمنح شهادات حسن السيرة الثورية.

هناك «معارضة وطنية» معتمدة، و«وجوه مسجّلة على المعارضة» ولكنها مشبوهة، و«اختراق من الداخل»، و«أجهزة خفية»، و«صفقات فوقية»… ولا ينقص المشهد إلا بطاقة انخراط مختومة وصورة شمسية وشهادة في مقاومة الانقلاب حتى يُسمح للمرء بأن يبدي رأياً.

والأطرف أن أصحاب هذا الخطاب يعلنون في الجملة نفسها أن «المعارضة موحّدة الصف واضحة الرؤية»، ثم يقضون بقية المنشور والتعليقات في البحث عن الخونة والمخترقين والمتآمرين داخلها. إذا كانت موحّدة إلى هذا الحد، فلماذا كل هذا الذعر من رأي مختلف؟

أما التهمة الكبرى فهي أن بعض الناس يجرؤون على التفكير في ما بعد قيس سعيّد، وفي كيفية الانتقال، وفي مؤسسات الدولة، وفي المخاطر والسيناريوهات الممكنة. يبدو أن التفكير نفسه أصبح نشاطاً تخريبياً، وأن السياسة الصحيحة هي الاكتفاء بشعار واحد وترديده حتى إشعار آخر.

ثم تأتي جوقة التعليقات لتكمّل اللوحة: هذا «علماني صفر فاصل»، وذاك «معارضة الخارج»، والآخر «يريد الصفقة»، ورابع «لا تثقوا بأحد». باختصار: لكي نبني ديمقراطية جديدة، فلنبدأ أولاً بإقصاء كل من لا يفكر مثلنا. فكرة مجرّبة تاريخياً، ونتائجها معروفة!

المشكلة ليست في الاختلاف حول حوار أو تفاوض أو مرحلة انتقالية؛ هذه مسائل سياسية مشروعة وقابلة للنقاش. المشكلة هي هذا الميل القديم إلى تحويل الخلاف السياسي إلى امتحان في الوطنية والطهارة الثورية.

ومن المفارقات أن من يندد اليوم بحكم يقوم على التخوين والإقصاء لا يبدو منزعجاً كثيراً من استعمال الأدوات نفسها داخل المعارضة.

إذا كان المطلوب استعادة الديمقراطية، فربما تكون البداية المتواضعة هي الاعتراف بأن الديمقراطية تعني أيضاً أن يحق للآخر أن يفكر، ويقترح، ويختلف، من دون أن يتحول فوراً إلى «اختراق» أو «صفقة» أو عميل للأجهزة الخفية.

وإلا فلن نكون قد تخلّصنا من الاستبداد، بل سنكون قد غيّرنا صاحبه فقط، واحتفظنا بالثقافة السياسية التي تنتجه وتعيد إنتاجه.

أعرف مسبقاً أن مثل هذا الكلام سيفتح شهية أنصار السلطة، وأن بعضهم سيسارع إلى استغلاله للسخرية من المعارضة، وتضخيم خلافاتها وانقساماتها، الحقيقية منها أو المفترضة، وكأن ذلك يشكّل شهادة براءة لسلطة أثبتت فشلها وعجزها.

لكن الاعتراف بخلافات المعارضة ونقد أخطائها ليس خدمة للسلطة، كما أن التستّر عليها ليس دفاعاً عن المعارضة. المطلوب ليس معارضة تتظاهر بوحدة غير موجودة، ولا معارضة يوزّع بعض أطرافها شهادات الوطنية والشرعية على الآخرين، بل معارضة تبلغ من النضج السياسي ما يسمح لها بإدارة اختلافاتها، والبحث عما يجمعها، وبناء الحد الأدنى الضروري من الثقة والعمل المشترك لمواجهة سلطة فاشلة.

فالخلاف داخل المعارضة ليس هو المشكلة في حد ذاته؛ المشكلة هي العجز عن تحويل التعدد والاختلاف إلى قوة سياسية قادرة على الفعل. والديمقراطية التي نريد استعادتها تبدأ من هنا أيضاً.

شارك هذا المقال:

كمال الجندوبي يرد على رفيق عبد السلام | أنساق