لماذا لا يستجيب الشارع التونسي لتحركات الأحزاب؟
اخبار وطنية 24 أكتوبر 2026

لماذا لا يستجيب الشارع التونسي لتحركات الأحزاب؟

بقلم: ameurayed

سمير حمدي

شهدت تونس يوم 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي مسيرة شعبية نظّمتها تنسيقية تضم تسع منظمات، في صدارتها الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ودعمتها عشرة أحزاب، يتم تصنيفها قوى تقدّمية وجمهورية. وبالنظر إلى حجم القوى الداعية للحراك الشعبي والزخم الإعلامي الذي رافق بياناتها، كان الحضور الشعبي المؤيد لخطوتها الاحتجاجية دون المأمول.

ما يحوّل المسيرات الحزبية إلى احتجاجات شعبية، بدلاً من أنها مجرّد احتجاجات رمزية، هو نتيجة تحوّل ونضج تدريجي وغير مرئي للنسيج الاجتماعي بأكمله، ولم يصل الشارع التونسي إلى هذه المرحلة بعد. وهو ما لم تدركه القوى السياسية المختلفة حيث يبرُز البعد الجيلي بشكل خاص: فالذين شاركوا في تحرّكات الأحزاب هم غالباً من الفئة العمرية التي عاصرت عهود الاستبداد زمن الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وغالباً ما يحملون وطأة نزاعاتهم الأيديولوجية واختلافاتهم الفصائلية في الجامعة منذ سبعينيات القرن الماضي. وفشلت هذه الفئة تحديدا في إنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي طوال عقد، بل كانت سبباً في النهاية التراجيدية للتجربة بسبب تنازعها على مواقع النفوذ من دون التفكير في حماية الديمقراطية الوليدة ودعمها حتى يشتد عودها.

اجتذاب الشارع أي حراك احتجاجي يفترض عاملين، أولهما الوعي بالأسباب التي تدفع عامة الناس للتظاهر، وهي واقعيا موجودة، ونعني بها غياب الديمقراطية، أو تقييدها الشديد، وتفاقم الفقر، في مناخ من الفساد وتزايد عدم المساواة الاجتماعية، لكن هذه العوامل وحدها لا تكفي ليجازف المواطن للالتفاف حول تحرّكات الأحزاب، حيث تتميز التحرّكات الجماهيرية ببعدها غير الحزبي، بل وحتى المناهض للحزبية. فهي تسعى إلى ممارسة السياسة بطريقة مختلفة. وغالباً ما خيّبت الأحزاب المنبثقة عن الموجة الديمقراطية الآمال، إذ انزلقت إلى سياسات المصالح الشخصية والمحسوبية.

فالوجوه السياسية والجمعياتية الحاضرة في مسيرة 17 أكتوبر هي غالبا شخصياتٌ مستهلكة، يعلم الشارع طبيعة خطاباتها. وفي ظل مواقع التواصل الاجتماعي، فقد ناشطون حزبيون ونقابيون مصداقيتهم في نظر عموم الناس، وهو ما يقتضي تمهيد السبيل للسماح بظهور شخصيات جديدة لا تملك ماضياً من المواقف المتناقضة، وفي الوقت نفسه، تقدّم خطاباً مقنعاً وبرنامجاً واقعياً قابلاً للتنفيذ.

حالة الإجهاد التي عاشها الشارع التونسي عشرية كاملة من التحرّكات والمظاهرات والإضرابات التي لا مبرّر لها أحياناً (شهدت تونس أكثر من ثلاثين ألف إضراب قطاعي طوال العشرية الديمقراطية وعرفت ثلاثة إضرابات عامة في الفترة نفسها)، قد قطعت الصلة بين هذه الجمعيات والأحزاب من جهة والشارع الاجتماعي من جهة أخرى. ... وانعدام الثقة بالأحزاب، والانطباع أن التناوب السياسي لا يُغير شيئًا، مواقف تؤثر حتى على “الديمقراطيات العريقة"، فضلا عن الدول التي تشهد تحوّلاً ديمقراطياً مضطرباً. وتزداد هذه المواقف تبريراً في تونس، حيث دائماً ما تتعثر الأنظمة التعدّدية الحزبية في صراعات فصائلية، مع وجود معسكرات سياسية يوازي عددها عدد "الزعماء" المفترضين. وكانت هذه العوامل التي تم توظيفها لتبرير وقف التحوّل الديمقراطي سنة 2021. ورغم أن البيان الذي تلاه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل تضمن رفضا لما سماه تخيير التونسيين بين منظومة حكم قديمة وأخرى جديدة فإن هذا الموقف لا يقدّم حلا بقدر ما يزيد في حيرة الشارع العادي، حيث لا يمكن بناء شيء جديد بأيدٍ قديمة، بما فيها الشخصيات التي شاركت في المسيرة، حيث أغلبهم ناشطو أحزاب ومنظمات لا تعرف التداول الديمقراطي، ولا التجدّد الداخلي، بقدر ما تقوم على الفصائلية المقيتة والانحياز الأيديولوجي الأعمى من دون بحث عن المصلحة العامة.

تتطلب فرصة إعادة البناء السياسي في تونس نشأة جيل جديد من القوى النشيطة، ربما تحظى هذه الحركات الجديدة بشعبية أكبر من سابقاتها. فمنذ السبعينيات، قادت الطبقة الوسطى الحضرية الحركة الديمقراطية: موظفو الخدمة المدنية، والمعلمون، والطلاب والعمّال وصغار الكسبة الذين همّشتهم برامج الإصلاح الهيكلي، والذين سعوا، بمعنى ما، إلى قيادة الانتفاضات الاحتجاجية. أما اليوم، فبينما لا يزال ناشطو الأحزاب والمنظمات الاجتماعية التقليدية يحاولون التحشيد، متجاهلين فئات اجتماعية أوسع نطاقاً وأكثر تهميشاً. تجد جموع "أفقر الطبقات" نفسها من دون قيادات ولا تنظيمات، مع ضرورة التوضيح: فليس هناك "شارع واحد" فحسب، بل "شوارع" عديدة، وغالباً ما تثبت القوى السياسية نفسها من خلال قدرتها على حشد عامة الناس، وهو ما لم نره في التحركات أخيراً.

شارك هذا المقال:

لماذا لا يستجيب الشارع التونسي لتحركات الأحزاب؟ | أنساق