هل العزلة اكتفاء أم تجنّب؟
منوعات 27 أوت 2026

هل العزلة اكتفاء أم تجنّب؟

بقلم: ameurayed

هذا الكون المليء بالأضداد صعبٌ على المرء الانسجام فيه كاملاً، أو حتّى على هامشه، ودعك الآن من طلب السعادة، لأنّ هذا هو الطلب المستحيل، بعد أن باتت السعادة نفسها رابع المستحيلات. ولذا، يحتار المرء ما بين شعوره الشخصي بالاكتفاء والابتعاد قدر الإمكان، علّه يتجنّب العالم إن استطاع. وإن هيهات له أن يحقّق الأمرَين معاً، خصوصاً أنّ الإنسان المعاصر عاش (وما زال) في معادلة مركّبة وغامضة من العلاقات المتداخلة التي تحتّم عليه التواصل، بصورة ما، آلياً، مع الأقارب وبقايا الصداقات التي استمرّت أيضاً بنحو ما، مع إحساسه بالجيرة. وإن كانت الجيرة أيضاً، بحكم العمر، قد رحل منها أصحاب المعارف والصداقات القديمة، وبقي منها هامش ضعيف من أولاد هؤلاء المعارف أو أحفادهم بحكم العادة، مثل "صباح الخير" و"مساء الخير"، أو تلك الروابط القليلة الهشّة التي هي أيضاً في طريقها إلى المحو حتّى من الذاكرة، ذاكرتهم، شيئاً فشيئاً. هل لأنّ العالم قد صار مزدحماً بالمشكلات والصراعات والبحث عن لقمة العيش، فاندثرت أو كادت تندثر تلك العلاقات الأولى التي تكوّنت في زمن هادئ ورخيص، حيث كان الوقت مرمياً في كسل فوق المصاطب وعلى حواف الغيطان وأطراف مدننا الصغيرة، حيث الحكايات البعيدة عن الأمل والحبّ والحياة التي تفلّتت من بين أصابعنا بسرعة شديدة، على الرغم من غربتنا الآن في شوارعها المزدحمة، وكأنّنا في مدينة بحقّ، بأمارة تلك الأبراج التي نبتت كما ينبت الفطر بالقرب من أرصفة غائبة تماماً.

(2)

نحن في وضع صعب محاطين ومحشورين بين الناس، بحلوهم ومرّهم وصعبهم وسهلهم، ويدكّ الشمال في عون ليدكّ اليمين، ومن دون قطيعة لأيّ من أطراف جسدك مع بعضه الآخر، حتّى وأنت في سرير المرض، أو وأنت تداوي جرح حمامة أو جرح إصبعك، بعدما أسلمته للممرض وصرخت كطفل، وقد كنت تظنّ أنّك كبرت على الألم منذ سنوات بعيدة. واضح أنّنا بعد أن نجرب الألم ونحن في الكِبَر نعود ثانيةً كالأطفال الصغار.

بالقطع، الجمال في العالم صعب، وصعب أيضاً المرور عليه بسهولة حتّى وأنت في عزّ ضعفك. فهل المرء في حاجة إلى الشعور بالجمال حتّى عن بعد؟ جمال النهر وأنت تراه يمشي ككائن حي، كأنّه يغنّي لنفسه وقد صار معجباً بخطواته الساحرة للشمال، جمال الزرع وهو طالع من حفر الأرض، جمال ميلة الفلّاح على أدواته البسيطة تحت الشمس السخيّة، جمال الطيور وهي تتعارك بشكل ما فوق الشجر. جمال الناس أيضاً في الأسواق وهم يفاصلون في ضحك، والبهائم ساهمة في مقاودها وكأنّها تتأمّل مآلاتها لحظة الموافقة وعدّ الفلوس، وغيمة هناك تحطّ فوق السوق ثمّ تنقشع.

(4)

نعم، هناك في العالم تلك الحاجات التي لا تنتهي أبداً، كحاجة وكيلة المحامي إلى شراء "التيشيرتات" لأولادها الصغار بعد عودتها مبسوطة من المكتب، وقد تخلّصت من زوجها أخيراً بالطلاق قبل أن يسافر، أو حاجتها هي إلى الباقة التليفونية كي تُبلغ زبائن مكتبها تلك الأخبار السعيدة التي تخصّ قضاياهم، كالتأجيل لشهور أخرى أو البراءة.

عالم من الحاجات نقضيها كلّ يوم، ونتواصل خلالها مع الناس عبر هذه الحاجات أيضاً كي يطول عمر الكون، وكأنّنا أولاد تلك الحاجات وصنّاعها فخراً، كحاجة الطبيب إلى العربجي في تخليصه من الزلط أمام الفيلا بعدما انتهى من الديكورات، وحاجة العربجي نفسه ودعائه للصيدلي بالصحّة وطول العمر بعد مناولته أنبوب المرهم، وحاجته إلى العيّل الصغير من أولاده، فيشتري عليق الجحش قبل المغارب من الدكان بالموتوسيكل، فأخذ منه العيّل نصف ثمن لتر البنزين، كما حكى لأخته التي جاءت زعلانة.

(5)

مثل حاجة مياه الحبشة إلى قنوات سالكة نحو الشمال في مسالك أنهار الجوار، كي تصبّ المياه في المصبّات أو تتفرّع في واحات الصحاري، كي ينمو النخيل وتنمو أشجار السافانا وتأكل الأفيال، وتتوارى الغزلان في الأكمّة اتقاءً لشرور الكواسر، وترتحل القرود من مكان إلى آخر إن أحسّت بالمخاطر وهي فوق الأشجار، ويصيد الصيّادون من الأنهار الصغيرة التي تشعّبت هنا وهناك، وبقيّة الماء تذهب إلى البحر، والبحر ليس بملآن.

عبد الحكيم حيدر

العربي الجديد

(3)

شارك هذا المقال:

هل العزلة اكتفاء أم تجنّب؟ | أنساق