هل تنذر الأوضاع المتأزمة في تونس بحدوث "انفجار شعبي"؟
اخبار وطنية 31 أوت 2026

هل تنذر الأوضاع المتأزمة في تونس بحدوث "انفجار شعبي"؟

بقلم: ameurayed

تعيش تونس على وقع أزمات متعددة ومترابطة، سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وحقوقياً، حيث اتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية بأغلب المحافظات بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، وزاد الوضع تعقيداً مع فقدان المواد الأساسية وأبرزها "المياه المعلبة"، ما دفع المواطنين لاعتراض شاحنات نقل المياه بالطرقات وسلبها.

وتواجه البلاد، في صورة مشابهة لأيام ما قبل الثورة، أزمة تتفاقم كل يوم، وبرزت بشكل لافت مع موجة الحر المتواصلة منذ شهرين تجاوزت فيها الحرارة 50 درجة وفق إحصائيات رسمية، وانعكست على الوضع العام مخلفة خسائر فادحة بالأرواح.

وتحدثت منظمة الأطباء الشبان عن عشرات الوفيات واكتظاظ غير مسبوق بالمستشفيات، وخاصة أقسام الاستعجالي، مع وفيات بالسجون وفق ما أكده محامون، بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

ويبعث الوضع على القلق و"الانشغال البالغ"، عبرت عنه أغلب المكونات السياسية والاجتماعية والحقوقية، حيث تواصل المعارضة الدفع باتجاه حراكها الاحتجاجي، معلنة السبت المقبل موعداً جديداً للتظاهر.

فيما أكد اتحاد الشغل رسميّاً تحركه مع المنظمات لتدارس الوضع الذي لم يعد يكفي التعبير عنه بالبيانات، بل بالدفاع بكل "الخيارات"، فيما طالب النواب بعقد جلسة استثنائية لبحث الوضع ومساءلة السلطة التنفيذية.

وأمام أزمة معيشية ومخاوف من "انفجار" وشيك، تقول السلطات إنها تعمل باستمرار لتحقيق مطالب الشعب، وأن ما يحصل "مؤامرات" من جهات تسعى "لتفكيك" الدولة لأجل استعادة الحكم و"التنكيل" بالشعب.

أزمات "الدولة المنكوبة"

وقال الشاب عضو تحرك "نفس" ربيع قاسم: "الوضع في تونس اليوم متأزم من كل النواحي، وخاصة على المستوى الاجتماعي والإنساني، نحن نعيش أزمة حقيقية نتيجة تدهور الخدمات الأساسية، من الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وما تسببت فيه من مخاطر جسيمة، خاصة بالنسبة للمرضى داخل المستشفيات أو الأشخاص الذين يحتاجون إلى أجهزة الأكسجين في منازلهم، وفق ما تم الإعلان عنه من قبل جهات مهنية وشهادات متداولة".

واعتبر في حديث خاص لـ "عربي 21" قائلاً: "نعيش أزمة مياه حقيقية، سواء من حيث الانقطاعات أو نقص المياه المعلبة في الأسواق، وهو ما خلق حالة كبيرة من الاحتقان والغضب لدى المواطنين، وأعتقد أن جزءاً مهماً من هذه الأزمة مرتبط بسوء إدارة السياسة الاقتصادية وغياب التخطيط والاستباق، خاصة خلال فترة الصيف التي ترتفع فيها حاجيات المواطنين بشكل كبير".

وتابع مفسراً: "بعض الإجراءات، ومنها التشدد المرتبط بقوانين الاحتكار، خلقت أيضاً حالة من الخوف لدى عدد من المزودين من التخزين، وهو ما أثّر على التزويد".

ولفت "إلى جانب ذلك، هناك وضع مقلق داخل السجون التونسية في ظل موجة الحر وغياب أبسط مستلزمات الحياة، حسب عديد الشهادات والتقارير، للظروف الدنيا التي تضمن الكرامة الإنسانية، مع حديث عن حالات وفاة تستوجب تحقيقاً جدياً وشفافاً وكشف الحقيقة للرأي العام".

وأضاف "لكن الأزمة ليست فقط اقتصادية واجتماعية، بل هي أيضاً أزمة حريات؛ فهناك تضييق متواصل على حرية التعبير وملاحقة للأصوات المنتقدة، وفي المقابل نلاحظ حالة من التعتيم الإعلامي على حجم الكارثة التي تعيشها تونس اليوم".

وشدد "تونس اليوم تعيش أزمة شاملة، والخطير هو أن السلطة تبدو، إلى حد الآن، غير قادرة على تقديم حلول حقيقية بحجم الأزمة. تونس اليوم أصبحت تمتلك، للأسف، في عديد المجالات مقومات الدولة المنكوبة، والمطلوب هو الاعتراف بالحقيقة بدل التعتيم عليها؛ لأن إنكار الأزمة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور".

من جانبه قال الشاب والناشط السياسي أسامة عويدات: "المتابع للشأن العام يستشرف الأزمة منذ سنوات من خلال مشكل الطاقة، والمياه، والفلاحة، والصناديق الاجتماعية وغيرها، ومع كل هذا، هذه السلطة التنفيذية لم نرَ منها لا تخطيطاً ولا استشرافاً ولا سياسة عامة، وبالتالي العيش في حلقة مفرغة ما يزيد من الأزمة".

وأكد في حديث خاص لـ "عربي 21" عن الوضع قائلاً: "الأزمة مركبة ومع الوقت تتعمق، لا بد من حل تشريعي وسياسي واقتصادي، ولذلك وجب إيجاد حلول سريعة؛ فالوضع محبط للغاية، وأبسط شروط العيش الكريم معدومة ومفقودة".

ضعف شامل

وقالت القيادية بحركة "النهضة" يمينة الزغلامي: "البلاد التونسية تشهد وضعاً غير مسبوق منذ عقود، فبعد الانقلاب على دستور 2014 تم التراجع كذلك عن مبادئ دستور 2022، هناك تضييق على الحريات السياسية وضرب لكل مقومات مجتمع قام بثورة من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية التي تحقق للمواطن الكرامة والأمن والرفاه".

واعتبرت في تصريح خاص لـ"عربي21" أن "الوضع ازداد تعقيداً بتفاقم الأزمات خاصة مع بداية سنة 2026 وبعد التصويت على الميزانية التي بينت محدودية الموارد وتفاقم الدين الداخلي وغياب الاستثمار والعجز في إيجاد الحلول، ومع قساوة العوامل المناخية المتمثلة في تتالي موجات الحر برز عجز منظومة الحكم في إيجاد الحلول التي تمس بحق المواطن في الماء والدواء والكهرباء".

من جهته قال المحامي فوزي جاب الله: "المشهد العام الحالي رديء بشكل يصعب فيه إيجاد نقطة ضوء، وأسوأ ما فيه أن كل التوازنات في حالة ضعف وليس قوة، فالسلطة رغم كل مظاهر التعالي فهي ضعيفة اقتصادياً، واجتماعياً، وإعلامياً، ونفسياً، والدولة في حالة شبه تهشيم".

ورأى في قراءة خاصة لـ"عربي21" أن "المجتمع كذلك ضعيف ولا وجود لشخصيات ذات وزن معنوي، ولا وجود لقيم مجتمعية إيجابية سائدة بل حالة من الإحباط العام وعدم وجود الحلول، والطبقة السياسية في حالة وضع رديئة أكثر من السلطة".

وفسّر: "رغم كل ما يبدو من احتجاجات فإنها حقوقية سياسية واجتماعية دون خطاب سياسي قادر على جمع الشمل، ولا وجود لقادة لهم مصداقية عامة أو شخصيات لها تأثير أو أن تكون حكماً في لحظة من اللحظات".

وخلص إلى: "الكل في توازن هشاشة، الظروف الاقتصادية والاجتماعية ووزن الدولة في أضعف حالاته فهي مهمشة دولياً وإقليمياً".

غضب الانفجار؟

وعن رؤيته للانعكاسات قال: "يصعب أن يصل الوضع إلى تفجير ربيع ثانٍ، ولكن يمكن أن تحدث تغييرات داخل الدولة وهو أقصى الآفاق المحتملة للاحتجاجات، لا أحد يعلم التوازنات"، مرجحاً: "الوضع السياسي ضعيف والغالب هو الحقوقي، وقد يحدث تغيير في غضون أشهر أو حتى سنوات، وإن حدث فهو غير واضح، ولا أحد يملك حقيقة اليوم الموالي".

ومن جهتها، وعن انعكاسات الوضع وما يمكن أن يترتب عنه قالت يمينة الزغلامي: "كل المؤشرات الاجتماعية سيئة مما صعد وتيرة الاحتجاجات والتعبير عن الغضب والمطالبة بالحلول، ومع كل هذا لا أستطيع القول بأن تونس ستكون منطلقاً لموجة ربيع عربي

ثانية".

وأوضحت: "انطلقت هذه الموجة مع طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول، ولكن تأثيرات وارتدادات طوفان الحرية ومقاومة الاحتلال ورفض كل أشكال الاستبداد والقمع، ستنعكس على كل الوطن العربي بما في ذلك تونس".

فيما رأى الناشط ربيع قاسم: "اليوم، نحن لا نتحدث عن "ربيع عربي 2" بالمعنى الحرفي، لكننا بالتأكيد أمام تراكم غضب شعبي كبير، وإذا استمرت الأسباب نفسها، واستمر غياب الحوار والحلول، فمن الطبيعي أن يتحول هذا الاحتقان في مرحلة ما إلى موجة احتجاج واسعة وغير متوقعة".

وأكد: "التاريخ علمنا أن الشعوب لا تخرج إلى الشارع لأن أحداً يحدد لها موعداً، بل عندما تصل إلى لحظة تشعر فيها أن الصمت أصبح أكثر كلفة من الاحتجاج"

حلينة بن نصر

العربي 21

شارك هذا المقال:

هل تنذر الأوضاع المتأزمة في تونس بحدوث "انفجار شعبي"؟ | أنساق