ليس أصعب على الإنسان من أن يشعر بأن وطنه لا يفتح أمامه أفقًا، بل يغلق في وجهه النوافذ واحدة تلو الأخرى. فالوطن لا يقاس بحدوده الجغرافية فقط، وإنما بقدرته على إنتاج الأمل، واحتضان الكفاءات، واحترام العقل، وإعطاء مواطنيه سببًا للفخر بالانتماء إليه.
أشعر اليوم بأن الانتماء إلى دولة بلا مشروع حضاري أصبح عبئًا نفسيًا وأخلاقيًا. دولة تستهلك طاقاتها في فرض السيطرة بدل تحرير المبادرات، وفي مراقبة المجتمع بدل تمكينه، وفي صناعة الخوف بدل بناء الثقة. وحين تصبح السلطة غاية في ذاتها، يفقد الوطن روحه، ويتحول المواطن من شريك في البناء إلى مجرد فرد مطالب بالطاعة.
الأزمة ليست فقط في تراجع الاقتصاد أو تعثر السياسة، بل في غياب الأفق. فالدول الحية تمتلك حلمًا جماعيًا، وتستثمر في المعرفة، وتنافس في التكنولوجيا، وتراهن على الإنسان. أما الدولة التي لا تعرف إلا إدارة الأزمات وإعادة إنتاجها، فإنها تحكم على أجيالها بالجمود، وعلى نخبتها بالهجرة أو الصمت.
ويزداد الشعور بالاختناق عندما يتراجع موقع العلم والثقافة في سلم الأولويات. فالمجتمعات لا تنهض بالشعارات، وإنما بالعقول الحرة، وبالجامعات المستقلة، وبالمثقفين القادرين على مساءلة الواقع، وبالفن الذي يمنح الحياة معناها وجمالها. أما حين يُهمَّش العقل، وتُستبدل الكفاءة بالولاء، ويصبح التفكير النقدي تهمة، فإن الانحدار يتحول إلى سياسة عامة.
وليس المقصود هنا ازدراء المجتمع، فالمجتمعات تحتوي دائمًا على طاقات مبدعة وعقول نيرة. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح مؤسسات الدولة عاجزة عن اكتشاف هذه الطاقات أو احتضانها، بل قد تتحول إلى عائق أمامها. عندها يشعر كثير من أصحاب الكفاءة بأنهم غرباء داخل أوطانهم، لا لأنهم يكرهونها، بل لأنهم يحبونها أكثر مما تسمح به السلطة.
كما أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة هو أن تتولى شؤونها نخب محدودة الثقافة، ضيقة الأفق، تعادي المعرفة، وتتعامل مع السياسة باعتبارها إدارة للولاءات لا إدارة للمصالح العامة. فقيادة الدول ليست استعراضًا للقوة، وإنما مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب رؤية، وخبرة، وقدرة على التعلم المستمر.
إن الشعور بالضيق من واقع الدولة لا يعني التخلي عن الوطن، بل قد يكون أصدق أشكال الانتماء إليه. فحب الوطن لا يعني تبرير أخطائه، وإنما السعي إلى إصلاحها. والنقد ليس خيانة، بل هو محاولة لإنقاذ المستقبل قبل أن يصبح الماضي هو الملاذ الوحيد.
إننا لا نحتاج إلى دولة أكثر قوة على مواطنيها، بل إلى دولة أقوى بعقول مواطنيها. دولة تجعل الحرية مصدرًا للاستقرار، والمعرفة مصدرًا للقوة، والثقافة مصدرًا للتماسك، والكرامة الإنسانية أساسًا للشرعية. عندها فقط يصبح الانتماء فخرًا لا عبئًا، ويصبح الوطن فضاءً للحياة لا مكانًا للاختناق.
رياض الشعيبي

