تشكل اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي جرى توقيعها بين السعودية وتركيا وباكستان تحولاً جيوستراتيجياً بارزاً في هندسة الأمن الإقليمي بمنطقة الخليج والشرق الأوسط، لا سيما في ظل التداعيات والدروس المستفادة من حرب إيران والتحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية.
أظهرت الأزمات المتلاحقة ومستجدات حرب إيران عدم كفاية الاعتماد المطلق على مظلة الحماية الغربية التقليدية. وتتجه الرياض عبر هذا التحالف إلى بناء منظومة ردع متعددة الأقطاب تجمع بين أطراف إقليمية ذات ثقل عسكري وصناعي ونووي. والاتفاق ينص صراحة على أن أي اعتداء على أي دولة من الدول الثلاث يُعد اعتداءً على الجميع، وهو ما يرفع تكلفة أي مغامرة عسكرية ضد أي طرف.
من المتوقع أن تؤسس اتفاقية مكة لمرحلة إعادة هيكلة مفهوم الأمن في الخليج القائم على الاعتماد الذاتي والتكامل الإقليمي، مع بقاء مجلس التعاون حاضناً للتكامل المؤسسي والاقتصادي بين دوله الأعضاء.
إذ أن إقدام دولة بحجم وثقل السعودية على توقيع تحالف دفاعي مع أطراف إقليمية كبرى مثل تركيا وباكستان يُرسخ منطق التحالفات المباشرة والثنائية، ويُعطي شرعية كاملة لبقية دول المجلس لاتخاذ مسارات مشابهة تناسب رؤيتها وأولوياتها الأمنية.
وفي حال اتجهت دول المجلس إلى تبني مقاربات مشابهة، فمن المرجح أن تختلف خياراتها وفق أولوياتها الأمن، وعلى سبيل المثال فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تُعد من أكثر الدول مرونة واستباقية في هندسة شبكة علاقاتها الأمنية والاستراتيجية وهي تتجه بالفعل نحو تعزيز الشراكة العميقة مع الهند وفرنسا، وإمكانية بلورة ترتيبات أمنية واستثمارية دفاعية ثلاثية (إماراتية - هندية - فرنسية) لحماية الملاحة والمصالح الاقتصادية.
وبالمثل، فإن مملكة البحرين تعتمد بشكل أساسي على الشراكات الأمنية الصلبة لحماية أمنها القومي، ولذا من المتوقع أن تُركز على توثيق اتفاقيات الدفاع والمظلة الأمنية مع الولايات المتحدة (مثل الاتفاقية الشاملة للتكامل الأمني والاستثماري).
في المقابل فإن دولة الكويت لديها توازنات دقيقة بين الواقع الجغرافي والتركيبة السياسية الداخلية، وسيكون توجهها محكوماً بالذهاب نحو شراكات دفاعية ثنائية مع قوى كبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا، مع استمرار فتح قنوات تعاون عسكري مع دول مثل تركيا لتطوير منظوماتها الدفاعية.
إن هذه الخطوة تفتح بالفعل الباب لعصر جديد من التعددية الأمنية في الخليج، ويضع مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار وجودي غير مسبوق، ويغير بالفعل القواعد والمبادئ التي قام عليها عام 1981.
فعندما ترتبط كل دولة بتحالف دفاعي خارجي يضم أطرافاً قد لا تتفق مصالحها مع بقية الأعضاء، ينتهي مفهوم الاتفاقية الدفاعية المشتركة للمجلس عملياً، وتتحول المؤسسات العسكرية الخليجية المشتركة (مثل قوات درع الجزيرة) إلى كيانات رمزية أو محدودة الدور.
والبيئة الأمنية التي تحرص تركيا وباكستان على تأمينها ليست بالضرورة هي البيئة التي تسعى الهند أو إسرائيل أو القوى الغربية لتشكيلها. هذا التباين يجعل تعريف مصدر التهديد بالنسبة لدول الخليج مختلفاً من عاصمة لأخرى.
بدلاً من أن تؤدي هذه التحالفات إلى فرض التهدئة، فإنها ترفع احتمالات التصعيد والتنافس، وقد يتحول الخليج إلى ساحة تتداخل فيها القوى الإقليمية الكبرى (تركيا، باكستان، الهند، إسرائيل)، ويرتبط الأمن المحلي بأزمات وتوازنات تلك القوى. وأي توتر بين الهند وباكستان، أو بين تركيا وإسرائيل، قد تنعكس شراراته المباشرة على العلاقات بين العواصم الخليجية المرتبطة بهذه الأطراف.
كما أن السعي المنفرد لكل دولة لزيادة أمنها عبر الاستقواء بحليف إقليمي ضخم يولد شعوراً بعدم الأمان لدى جيرانها داخل المجلس، مما يدفع الطرف الآخر لتغليظ تحالفاته المضادة. هذا النمط يخلق دوامة سباق تسلح وتكتلات داخل المنظومة الواحدة.
وقد تكون هناك صعوبة في التنسيق في أوقات الأزمات، ستجد الدول الخليجية نفسها أمام التزامات متعارضة بين مقتضيات الجوار الخليجي والتزامات معاهداتها الدفاعية مع حلفائها الخارجيين، مما يربك اتخاذ القرار الموحد ويزيد من حدة الاستقطاب.
هذه المعطيات، قد لا تعني بالضرورة تفريغ المجلس من أهدافه، لكنه ربما يتجه نحو نموذج وظيفي جديد، والتحول إلى منظمة خدمية واقتصادية، ليصبح شبيهاً بالتكتلات الاقتصادية والخدمية، يركز حصراً على التنسيق الجمركي، وحرية تنقل العمالة ورؤوس الأموال، ومشاريع الربط الكهربائي والمائي، بينما تُترك الملفات السياسية والعسكرية الكبرى للتحالفات الثنائية.
الحقيقة أن التحالفات العسكرية لا تُبنى بجرّة قلم، وتفعيل النصوص الدفاعية على أرض الواقع يواجه عقبات لوجستية وعملياتية ضخمة تجعل أثرها الفوري معدوماً وربما محفوفاً بالمخاطر.
وتطبيق مفاهيم الدفاع المشترك بين قوات لا تتحدث لغة عملياتية واحدة، ولا تمتلك عقائد قتالية موحدة، يتطلب مدى زمنياً طويلاً لعدة أسباب، منها، أن التركيب العسكري الباكستاني يعتمد عقيدة دفاعية برية ومفهوم ردع يتجه أساساً نحو المسرح الهندي، بينما يعتمد الجيش التركي على معايير حلف الناتو وهياكله التنظيمية، في حين ترتكز القوات السعودية على منظومات غربية (أميركية وبصورة أقل بريطانية وفرنسية). وتوحيد شبكات الاتصال والسيطرة وتكامل أنظمة الردع بين هذه المدارس الثلاث يُعد معضلة تقنية ولوجستية تستغرق سنوات.
كما أن نقل القوات والعتاد بين أقاليم جغرافية متباعدة (جنوب آسيا، الأناضول، والجزيرة العربية) يحتاج إلى بنية تحتية وجسر جوي وبحري وتأمين الممرات، وهي لوجستيات غير مجهزّة حالياً للتعامل مع تهديدات خاطفة وسريعة مثل هجمات الطائرات المسيرة أو الصواريخ الباليستية.
هذا العجز اللوجستي الفوري يفتح الباب أمام تداعيات عكسية ومخاطر استراتيجية قد تسبق جني فوائد الاتفاقية، وقد تجد الجماعات المسلحة (مثل الجماعة الحوثية) أو الأطراف الإقليمية الداعمة لها فرصة لتنفيذ ضربات دقيقة واستفزازية استباقية. الهدف من ذلك يكون اختبار مدى فاعلية هذه الاتفاقية في أيامها الأولى، وكشف عدم قدرة أنقرة أو إسلام آباد على التدخل المباشر والسريع لحماية العمق السعودي، مما يسبب إحراجاً سياسياً للرياض ويُظهر الاتفاقية ككيان ورقي.
على المدى القريب، تظل هذه الاتفاقية رسالة سياسية وإعلان نيات رادع أكثر منها مظلة دفاعية ميدانية جاهزة. والاندفاع لنشرها دون اكتمال البنية التحتية واللوجستية واختبار القوات المشتركة يجعلها عرضة للاستغلال والاستفزاز من الخصوم الذين قد يسعون لإثبات عدم جدواها قبل أن تكتمل أركانها.
معتز ابو سمرة

