بعيدا عن المقاربة الأخلاقية ومرجع المعنى الديني، يأتي هذا المقال بجزئيه للمساهمة في التأريخ للكذب السياسي في تونس منذ الحصول على "الاستقلال" من فرنسا. ونحن نقصد بالكذب السياسي التأسيسي تلك السرديات الثلاث التي هيمنت أو ما زالت تهيمن على المجال العام في تونس: سردية الاستقلال والتحديث، سردية الانتقال الديمقراطي، سردية تصحيح المسار. وقد استثنينا سردية "7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987" أو سردية "الإنقاذ" لأنها عندنا مجرد امتداد للسردية البورقيبية -من جهة الأيديولوجيا والبنية الجهوية للسلطة- وإن كانت انقلابا أبيض على رمزها. وقد أفردنا هذا الجزء الأول من المقال للأكاذيب التأسيسية دون أن ندعيَ الإحاطة بها كلها شأنها في ذلك شأن الأكاذيب المشتقة. والأكاذيب التأسيسية عندنا لا تطابق الأكاذيب المشتقة وإن كانت لا تنفصل عنها، فهذه الأخيرة هي تلك الأكاذيب التي تستمد قيمتها التداولية وقدرتها التأثيرية من الأكاذيب التأسيسية، ويكون هدفها شرعنة السردية المهيمنة أو إضعافها تبعا لمواقع أصحابها في السلطة ومواقفهم منها. يعلّمنا الدرس الفلسفي التفكيكي عند جاك دريدا -كتاب "تاريخ الكذب" الصادر عن دار غاليلي سنة 2012- أن الكذب كان دائما عنصرا بنيويا في الخطاب البشري، وكان دائما أداة لتبرير السلطة والأيديولوجيا. وينبهنا إلى ضرورة التفريق بين الخطأ والكذب انطلاقا من قصدية الكذب باعتباره -على الضد من الخطأ- خطابا يهدف إلى التضليل أو إلى إلحاق الأذى بالآخرين. ولكنّ دريدا يذهب إلى أنّ المتلقي يستطيع البرهان على عدم قول المتلفظ للحقيقة، ولكنه لا يستطيع البرهنة على كذبه بحكم ارتباط الكذب بالنية. ولا شك في أن البرهنة على طبيعة النية أمر محال، فالمرء لا يحيط بنيّته وقد تعمى عليه -كما يقول القدامى- فكيف له أن يتسلط على نوايا غيرهالمدني في السياسة المعاصرة، 1972"، فإنها قد سبقت دريدا في طرحه العام عندما ذهبت إلى أن الكذب والخداع ليسا طارئين على السياسة بل هما من صميمها، أي من جوهر كل السرديات السياسية والخطابات السلطوية والمعارضة مهما كانت مرجعيتها الأيديولوجية. - أكاذيب سردية الاستقلال لا تكمن أهمية هذه السردية فقط في أنها قد أعادت هندسة المجتمع التونسي اجتماعيا (الخروج من القبيلة والعشيرة إلى الجهوية في ظل سردية وطنية زائفة)، واقتصاديا (بناء الاقتصاد الريعي ورهن تونس لشراكات غير متكافئة هي في جوهرها عمليات نهب ممنهج للثروات الطبيعية والبشرية)، وثقافيا (سياسة التغريب وتَونسة النمط المجتمعي الفرنسي بصورة مشوهة تضمن غطاءً أيديولوجيا للسلطة تحت شعار "النمط المجتمعي التونسي")، وسياسيا (علمنة نموذج الشيخ والمريد واستصحاب الاستعارة الرعوية في جملة سياسية حداثية زائفة)، وتشريعيا أو قيميا (نبذ النموذج التشريعي الديني القائم على سيادة الشرع دون النجاح في استنبات نموذج تشريعي حداثي قائم على العقل وسيادة القانون)، بل تكمن أهميتة السردية البورقيبية في أنها كانت وما زالت تحتل موقع "الخطاب الكبير"، أي الخطاب المرجعي/المعياري لكل السرديات السياسية المتنافسة على إدارة الشأن العام قبل "الثورة" وبعدها. وهي لذلك السردية التأسيسية الأم، لا من ناحية السبق التاريخي فحسب، بل كذلك من جهة ارتهان كل السرديات للبورقيبية ولما أنجزته من إعادة هندسة بنيوية للمجتمع التونسي في إطار الدولة-الأمة. لقد أسّست البورقيبية دولة حرة مستقلة ذات سيادة في الظاهر أو في الدستور، ولكنها واقعيا كانت هي أيديولوجيا دولة الاستعمار الجديد أو منظومة الاستعمار الداخلي. ونحن نذهب إلى أن الأكاذيب التأسيسية للدولة-الأمة بدأت في الدستور نفسه، أي بدأت بتكريس وهم الاستقلال والحرية والسيادة، بل وهْم "الدولة" ذاته. فتونس مثل كل الدول العربية مجرد كيان وظيفي لا يمتلك مقومات الدولة كما نجدها في التنظيرات السياسية الغربية، كما أن غياب الاستعمار المباشر لم يكن يعني وجود الاستقلال والحرية في ظل نظام لم يستطع أن يبنيَ مقومات السيادة في مختلف مجالاتها. وإذا ما اعتمدنا الشبكة التفسيرية للمفكر الألماني كارل سميث، الذي يرى أن المعيار الذي يعرّف السياسة ويميزها عن الأخلاق والجماليات والاقتصاد هو ثنائية الصديق/العدو، فإن من حق أي تونسي أن يتساءل عن جدية القول بالاستقلال عن فرنسا في ظل نظام جعل صديقه الأقرب وشريكه الأهم هو المستعمر السابق في ظل علاقة لا تكافؤ جذري. إن من حق التونسي قبل ذلك كله أن يضع سردية "التحرر من الاستعمار" ذاتها موضع التشكيك، سواء من جهة اختزال النضال في شخص "المجاهد الأكبر" أو من جهة خارطة النضال وقيمته، وهي خارطة أعيد رسمها في السردية الرسمية بصورة تطابق في الأغلب خارطة السلطة جهويا وأيديولوجيا. ولعل الكذبة الأكبر للبورقيبية هي الاستعارة الوطنية، أي تلك الاستعارة التي تخفي سياسات التهميش الجهوي والسياسات التنموية التي حافظت على خارطة التنمية الاستعمارية ولم تُغير فيها إلا القليل. وهي معطيات يمكن البرهنة عليها إحصائيا، ولكنها تهمّش دائما ويُقلل من قيمتها دفاعا -في الظاهر- عن "الزعيم" وعن "النمط المجتمعي التونسي" الذي أرساه، ولكن في الحقيقة فإن "تأليه الزعيم" واعتباره مقدسا وطنيا شبه ديني لا يسعى إلا للتغطية على منظومة الاستعمار الداخلي وحماية أذرعها الوظيفية أو حصونها الأيديولوجية التي تقتات من فتات موائد النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي ورعاتها الأجانب. -أكاذيب الانتقال الديمقراطي بعد "الثورة التونسية" استغلت النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي واقع الفوضى وموازين الضعف عند أهم الفاعلين الجماعيين لفرض مسار تأسيسي كانت ركيزته الأساسية من الناحية الأيديولوجية هي "استمرارية الدولة"، أما من الناحية البشرية فكان عماد الانتقال الديمقراطي هو الخزان البشري للمنظومة القديمة وأذرعها الوظيفية، مع إشراك "صوري" لما يُسمّى بالقوى الثورية يسارا ويمينا. وكان هدف الانتقال الديمقراطي نظريا هو تفكيك بنية الفساد والاستبداد، وبناء "جمهورية جديدة" تتجاوز جدليا الجمهورية القديمة بلحظتيها الدستورية والتجمعية، أي بناء جمهورية لا تقطع مع المكاسب السابقة بل تبني عليها، وتتجاوزها في ظل ديمقراطية تمثيلية تنصت للمرة الأولى في تاريخ تونس للمواطن وتحترم صناديق الاقتراع. ولكنّ ما وقع فعليا خلال "عشرية الانتقال الديمقراطي" كان -على الضد مما يتغنى به التوافقيون في حركة النهضة وحلفائها خاصةً- هو فشل الانتقال الديمقراطي في المستوى السياسي. ولا شك عندنا في أن ذلك الفشل يجد جذوره في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي"، أو في فلسفة تنظيم السلطات وما نتج عنها من نظام سياسي هش وغير قابل للاستمرار؛ النظام البرلماني المعدّل أو ما يمكن تسميته بـ"النظام الرئاسي المؤجل". كانت الكذبة الأولى للتأسيس هي أنه يدير "ثورة" حقيقية وليس مجرد انتفاضة أو ثورة مجهضة وغير مكتملة، وهي كذبة حرص الآباء المؤسسون على حجبها لبيان استقلالهم عن منظومة الاستعمار الداخلي وارتهان قراراتهم لإرادات لا علاقة لها بالشعب. أما الكذبة الثانية فكانت إمكانية تفكيك منظومة الفساد والاستبداد بمنطق استمرارية الدولة وبقيادة الخزان البشري للمنظومة القديمة وهيمنة أذرعها الوظيفية في النقابات والإعلام والمجتمع المدني. ولا شك عندنا في أن وجود نخب حداثية أو أقليات أيديولوجية من مصلحتها بناء ديمقراطية حقيقية كان من أعظم أكاذيب المرحلة التأسيسية وعشرية الانتقال الديمقراطي برمتها. وكذلك هو شأن وجود تناقض جذري بين النهضة وبين منظومة الاستعمار الداخلي أو قدرة هذه الحركة بمنطق التوافق على تهديد المصالح المادية والرمزية لهذه المنظومة ولو في المستوى البعيد. إنها بعض الأكاذيب التأسيسية التي جعلت الحديث عن نجاح الانتقال الديمقراطي -حتى قبل 25 يوليو/تموز 2021- مجرد مجاز تكذّبه الصرعات الهوياتية والدعوات الانقلابية في المستوى الأيديولوجي، وتنسفه المعطيات الاقتصادية وهيمنة الاقتصاد الريعي والدولة العميقة التي وجدت في سردية تصحيح المسار الحليف الأمثل لإنهاء الفاصلة الديمقراطية. - أكاذيب تصحيح المسار عندما عُيّن السيد إلياس الفخفاخ رئيسا لـ"حكومة الرئيس" كما أسماها الحزام البرلماني للرئيس قيس سعيد، حرص على أن يجعل من تعيينه نقطة تحول جوهري في الانتقال الديمقراطي، فقد سارع إلى إعلان نجاح الانتقال الديمقراطي السياسي وضرورة المرور إلى الانتقال الديمقراطي الاقتصادي. ونحن هنا أمام الكذبة المؤسسة لتصحيح المسار ذاته، فتعيين السيد إلياس الفخفاخ من خارج اقتراحات القوى البرلمانية الأهم لم يكن يعني نجاح الانتقال الديمقراطي سياسيا، بل كان يعني قرب إغلاق الفاصلة الديمقراطية ونهاية التوزان الهش بين البرلمان المتفكك ومؤسسة الرئاسة القوية. ولكنّ السيد إلياس الفخفاخ كان يريد إخفاء هذا الواقع السياسي المأزوم بوعود اقتصادية لم يحقق منها شيئا خلال عهدته القصيرة.في جوهره، فإن "تصحيح المسار" هو سردية أنهت واقع الأزمة السياسية التي خلقتها هيئة بن عاشور بنظام برلماني معدّل لا سلطة فيه للحزب الأغلبي على القوات المسلحة ولا على السياسات الخارجية، ولا يتدخل فيه الرئيس في بناء السياسات التنموية والخيارات الاقتصادية الكبرى. وهو خيار كان يهدف عند وضعه إلى ضمان عدم تحكم حركة النهضة في القوات الحاملة للسلاح وفي تحديد السياسات الخارجية، ولكنه خيار لا يمكن أن يستمر في ظل وجود رئاسة قوية ومدعومة بالدولة العميقة وبالكيانات الوظيفية التي قبلت على مضض بديمقراطية تحتل فيها النهضة مركز الحقل السياسي. إن الكذبة الأساسية في سردية تصحيح المسار-أو التضليل القصدي الرئيس- هي إمكانية الإصلاح دون وجود نخب بديلة، أي إمكانية خوض "حرب التحرير الوطني" بخزان بشري ارتبط نشأةً ووظيفةً بمنظومة الاستعمار الداخلي. فغياب هذه النخب يجعل من المحال كسر علاقة التعامل الوظيفي أو التخادم بين سردية تصحيح المسار من جهة أولى وبين الأقليات الأيديولوجية ومراكز النفوذ وشبكات المصالح التي تخدمها هذه الأقليات من جهة ثانية. ولا شك عندنا في أن إمكانية خوض حرب تحرير وطني لا تحدد منظومة الاستعمار الداخلي باعتبارها العدو الرئيس هي حرب مجازية وبلا أفق تحرري واقعي، شأنها في ذلك شأن إمكانية الانتصار في هذه الحرب دون وجود جبهة داخلية صلبة تتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي واستراتيجيات النفي المتبادل من جهة أولى، وتتجاوز منطق احتكار الحقيقة والتمثل الشعبي من جهة ثانية. رغم أهمية الأكاذيب التأسيسية فإن قيمتها التداولية وقدرتها على التضليل وتزييف الوعي تظل مرهونة بسلاسل من الأكاذيب المشتقة. وهي أكاذيب تتحرك جميعا في أفق "ما بعد الحقيقة" حيث أصبحت الحقائق الموضوعية أقل تأثيرا في تشكيل الرأي العام من مصفوفات المشاعر، وحيث أصبحت الحقيقة "صناعة" يُسيطر عليها الإعلام التقليدي والإلكتروني وشبكات التمويل/المصالح الداخلية والخارجية التي تقف خلفهما. وهو ما سنفصّل القول فيه بإذن الله في الجزء الثاني من هذا المقال. عادل بن عبد الله العربي 21

مقالات راي 15 جويلية 2026
أفكار حول تاريخ الكذب السياسي في تونس.. الأكاذيب التأسيسيّة
بقلم: ameurayedشارك هذا المقال:
