الاستثمار في تونس ينمو.. فلماذا تتعطل المشاريع؟
اخبار وطنية 11 أوت 2026

الاستثمار في تونس ينمو.. فلماذا تتعطل المشاريع؟

بقلم: ameurayed

- يأمل محمد خليل تطوير مشروع لتربية الدواجن ورثه عن والده ليكون مدجنة عصرية تستجيب للمعايير الحديثة، وتتيح له رفع الإنتاج وتوسيع نشاطه وإيجاد فرص عمل جديدة.

لكن المشروع اصطدم بمسار إداري طويل، ويقول خليل للجزيرة نت إنه يتابع منذ 4 سنوات ملف استكمال الإجراءات وكراس الشروط المطلوب لإنجاز مشروعه، مضيفا: "تشعر وكأنك تسير في متاهة، مع كل مرحلة جديدة تكتشف تعقيدات جديدة، مع أن المشروع مضبوط بكراس شروط محددة".
وتخضع مشاريع تربية الدواجن في تونس لجملة من الشروط الصحية والبيطرية والبيئية، إلى جانب الإجراءات الإدارية الخاصة بالنشاط، بما يجعل مسارها أكثر تعقيدا من بعض الأنشطة الأخرى.

بالنسبة إلى خليل، لا تكمن المشكلة في فكرة المشروع، وإنما في المسافة الطويلة بين اتخاذ قرار الاستثمار والقدرة على تنفيذه.
أرقام إيجابية وتجارب مختلفة
على مستوى المؤشرات الرسمية، تبدو الصورة أفضل، فقد بلغ حجم الاستثمارات المصرح بها في تونس خلال عام 2025 نحو 8.36 مليارات دينار (2.85 مليار دولار)، بزيادة 39.3% مقارنة بعام 2024، مع توقع إحداث أكثر من 101 ألف موطن شغل، وفق الهيئة التونسية للاستثمار.

كما تجاوزت الاستثمارات الأجنبية خلال العام نفسه 3.57 مليارات دينار ( 1.22 مليار دولار)، مقابل 2.74 مليار دينار (935.4 مليون دولار) في 2024، مسجلة نموا بنسبة 30.3%، وفق وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي.

وتستفيد تونس من موقعها القريب من أوروبا، وتنافسية كلفة الإنتاج، وتوفر اليد العاملة المؤهلة، إلى جانب خبرة متراكمة في قطاعات صناعية وتصديرية مثل مكونات السيارات والطيران والكهرباء والإلكترونيات والنسيج والصناعات الغذائية.

لكن هذه الأرقام تقيس الاستثمارات المصرح بها أو التدفقات الاستثمارية، ولا تجيب وحدها عن سؤال آخر: كم من المشاريع يصل فعلا إلى مرحلة الإنجاز؟ وكم منها يتأخر أو يتوقف؟

بين القانون والإدارة
تعمل السلطات التونسية منذ سنوات على تبسيط إجراءات الاستثمار، وينص قانون الاستثمار على تشجيع إنشاء المؤسسات وتطويرها ورفع قدرتها التنافسية والتصديرية وإيجاد فرص العمل، كما أقرت الحكومة نصوصا لتقليص التراخيص وتبسيط الإجراءات
لكن وجود النصوص لا يعني دائما أن المستثمر يجد مسارا سريعا، فحسب طبيعة المشروع، قد يحتاج المستثمر إلى التعامل مع أكثر من إدارة والحصول على موافقات تتعلق بالعقار والتهيئة والبيئة والصحة والسلامة والجباية، إضافة إلى الشروط الخاصة بكل قطاع.

ويقول سمير زنطور، وهو خبير اقتصادي وصاحب شركة مقاولات، للجزيرة نت إن الاقتصاد التونسي "يحمل الكثير من الآفاق لجلب الاستثمارات"، لكنه يعاني في المقابل من عراقيل، أبرزها الترسانة القانونية التي تحتاج إلى تحديث شامل، إلى جانب البيروقراطية الشديدة في إنجاز المعاملات.

ويضيف للجزيرة نت: "بالنسبة للمستثمر لا يمثل التأخير مجرد وقت ضائع، وإنما قد يعني تجميد رأس المال وارتفاع كلفة المشروع وتأجيل الإنتاج".

البيروقراطية عائق حقيقي لكنه ليس الأول
تظهر بيانات البنك الدولي أن المؤسسات التونسية تواجه منظومة أوسع من العراقيل، ولا تضع البيروقراطية بالضرورة في صدارتها.

فمن بين 645 مؤسسة شملها مسح البنك الدولي في تونس، اعتبرت 28.8% أن النفاذ إلى التمويل هو أكبر عائق أمام نشاطها، بينما جاءت الكهرباء بنسبة 14%، والضرائب بنسبة 11.8%، والمنافسة من القطاع غير المنظم بنسبة 7.6%.

أما التراخيص الإدارية فكانت أكبر عقبة بالنسبة إلى 4.5% فقط من المؤسسات المشمولة بالمسح.

وهذا لا يعني أن البيروقراطية مشكلة هامشية، بل يدل على أن وزنها يختلف بحسب طبيعة النشاط، فقصة خليل -مثلا- تتعلق بقطاع يخضع لاشتراطات صحية وبيطرية وبيئية، مما يجعل أي تأخير في أحد المسارات يمكن أن يعطل المشروع بأكمله.

في المقابل، يبدو التمويل عائقا أوسع نطاقا، إذ أظهرت بيانات البنك الدولي ضمن المسح المتعلق بعامي 2024 و2025 أن 67.1% من المؤسسات المشمولة بالمسح لا تملك قرضا أو خط ائتمان من مؤسسة مالية.

وبالتالي، يفرض هذا الواقع حسب قراءة أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، رضا شكوندالي، أن المؤسسة التي تواجه صعوبة في التمويل وارتفاع كلفة الطاقة والضرائب، ثم تصطدم بمسار إداري طويل، تصبح أكثر حذرا في إطلاق مشروع جديد أو توسيع مشروع قائم.
المؤسسات الصغيرة الحلقة الأضعف
تبدو المشكلة أكثر صعوبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لمحدودية قدرتها على تحمل تكلفة الانتظار، وتعطل مصادر التمويل خاصة مع ما يكشفه الاقتصاديون من تراجع انخراط البنوك في العملية الاقتصادية ووضعها "محاذير تعجيزية" أمام المستثمرين التونسيين خاصة.

ويقول الناطق الرسمي باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة عبد الرزاق حواص إن عدد هذه المؤسسات في تونس يقارب 870 ألف مؤسسة، وإن نسبة الإغلاق تقارب 39% سنويا، ويبلغ متوسط دورة حياة المؤسسة نحو 18 شهرا، وفق ما صرح به لوكالة تونس أفريقيا للأنباء.

ويربط حواص خروج المؤسسات من السوق بعدة عوامل، بينها الحاجة إلى تحديث التشريعات وتسهيل النفاذ إلى التمويل، مشيرا إلى صعوبات خاصة تواجه المؤسسات الفلاحية التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الذاتي.

تونس وجهة ما زالت تجذب المستثمرين
في الوقت الذي تواجه فيه المؤسسات المحلية هذه الصعوبات، تحاول تونس استقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، ومنها الاستثمارات الخليجية.
وخلال الملتقى الاقتصادي التونسي الخليجي الأول الذي انعقد في الحمامات، السبت، شارك رجال أعمال وممثلون عن شركات من تونس وسلطنة عمان والأردن والسودان والإمارات، إلى جانب مختصين في الوساطة والتحكيم، لبحث فرص الاستثمار والشراكة.

وتقول رئيسة الملتقى والمستشارة في الوساطة والتحكيم الدولي ليلى درويش إن الهدف هو تطوير الشراكات الإستراتيجية واستقطاب الاستثمارات إلى تونس وتحويل الملتقى إلى منصة سنوية لعرض المشاريع والفرص الاستثمارية.

ويقول المستثمر العماني أحمد عمر للجزيرة نت إن التطورات الأخيرة في المنطقة جعلت تونس وجهة مشجعة للاستثمار باعتبارها بيئة آمنة نسبيا في ظل تداعيات حرب إيران.

ويضيف عمر أن المستثمرين الخليجيين جاؤوا إلى تونس لاكتشاف الفرص الممكنة للاستثمار، مشيرا إلى وجود انفتاح تونسي على الاستثمارات الخليجية.

ويقول الخبير الاقتصادي سمير زنطور للجزيرة نت إن جذب المستثمر لا ينتهي بإقناعه بفرص الاستثمار، فبعد وصوله تبدأ أسئلة أخرى تتعلق بالتراخيص والقوانين وحماية الحقوق وتسوية النزاعات، وهي مسائل يواجهها المستثمر المحلي أيضا وإن بدرجات مختلفة.

القضاء جزء من مناخ الاستثمار
وتقول الخبيرة في الحوكمة والتحكيم الدولي نادية الجلاصي للجزيرة نت إن تحديث ظروف التقاضي الدولي في تونس أصبح ضروريا، معتبرة أن ذلك عنصر مهم في طمأنة المستثمرين إلى قدرتهم على الحصول على حقوقهم أمام مؤسسات قضائية شفافة وسريعة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة للمستثمر الأجنبي، الذي ينظر قبل ضخ أمواله إلى قدرة النظام القضائي على فض النزاعات وتنفيذ الأحكام وحماية الحقوق.

وتضيف للجزيرة نت أن مناخ الاستثمارات لا يقتصر على الحوافز والإعفاءات أو على سرعة الإدارة، بل يشمل منظومة تبدأ من التمويل، وتمر بالتراخيص والإجراءات، ولا تنتهي إلا بعد دخول المشروع مرحلة الإنتاج واستقرار نشاطه في بيئة قانونية وقضائية يمكن توقعها.

اقتصاد يتعافى ونمو محدود
يأتي ذلك في اقتصاد سجل نموا بنسبة 2.5% خلال 2025، بينما بلغ النمو 2.6% خلال الربع الأول من 2026 وفق البيانات الرسمية.

ورغم تحسن المؤشرات، يبدو أن تونس لا تزال بحاجة إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة لرفع الاستثمار والإنتاج وإيجاد الوظائف وفق خبراء الاقتصاد الذين يرون أن تونس قادرة على تحقيق نسب متقدمة من النمو.

وقد بلغ التضخم 5.3% خلال 2025، ووصلت البطالة إلى نحو 15% خلال الربع الأول من 2026.
من قصة خليل إلى سؤال الاستثمار
بالنسبة إلى محمد خليل، تختزل 4 سنوات من الانتظار المشكلة في سؤال بسيط: "متى يمكنني تنفيذ مشروعي؟"، فكل سنة تأخير تعني مشروعا لم يتوسع، وإنتاجا لم يرتفع، ووظائف لم تُخلق، ورأس مال لم يدخل الدورة الاقتصادية بالسرعة التي كان يفترض أن يدخل بها.

وتونس، في المقابل، تحقق ارتفاعا ملحوظا في الاستثمارات المعلنة، وتستهدف جذب مزيد من المستثمرين خلال السنوات المقبلة.

لكن التحدي لا يتعلق فقط بجذب المستثمر أو بتبسيط رخصة بعينها، بل بمعالجة الحزمة الكاملة من العوائق: التمويل والطاقة والضرائب والإدارة والقوانين والقضاء.

فإذا كان التمويل هو العائق الأكبر أمام غالبية المؤسسات، فإن البيروقراطية قد تصبح في بعض القطاعات عائقا حاسما، خصوصا عندما تتداخل التراخيص والشروط القطاعية وتطول آجال البت في الملفات.

وبين الرقم الرسمي وتجربة محمد خليل، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع تونس الانتقال من جذب الاستثمار إلى تسهيل إنجازه واستدامته؟

المصدر: الجزيرة

شارك هذا المقال:

الاستثمار في تونس ينمو.. فلماذا تتعطل المشاريع؟ | أنساق