لا يمكن للدكتاتورية أن تنشأ في مجتمع محصّن نقابيا!
أدرك ذلك مبكرا النظام الأسدي المجرم في سوريا، فقام سنة 1978، بمناسبة أول حراك نقابي منظّم في تاريخ سوريا شمل قطاعات المحامين والأطباء والمهندسين، بإصدار "مرسوم رئاسي"(لاحظوا!) يعطي مجلس الوزراء صلاحية حل النقابات(!). وخلال سنتين، انتهى النظام المجرم من حل كل النقابات.. وشن حملة اعتقالات في صفوف النقابيين ( بالمناسبة كانوا كلهم يساريين وحقوقيين وديمقراطيتيين).
اعتقل الأسد نخب المجتمع السوري ورماهم في السجون لسنوات طويلة.. من دون لا تحقيق ولا محاكمة..!!! واستمر سجن هذه النخب المناضلة أكثر من عقد من الزمن!
بعد أقل من سنتين، تحديدا في فيفري 1982، مرّ النظام الدموي إلى ارتكاب مجزرة في مدينة حماة قصف فيها كل الأحياء المدنية وقتل خلال شهر من القصف 30 ألف سوري (من مجموع 300 ألف ساكن! بما يجعل التحجج بأن تمرد الإخوان كان مسلحا مجرد تبرير متواطئ مع الجريمة).
بعدها.. انتهى العمل النقابي، أي "الأجسام الوسيطة"، وتم تنصيب "لجان نقابية/شُعب مهنية" ملحقة بحزب البعث الحاكم، وانتهت السياسة.. بعد أن تم اختصار كل الأحزاب السياسة بالقوة في "الجبهة الوطنية التقدمية".. الاسم الحركي لحزب البعث.. أو لعصابة الأسد تحديدا!
في تونس، حاول بورقيبة، سنة 1978، ضرب الاتحاد! لكنه فشل، لأن المنظمة النقابية كانت قد انغرست في كل قطاعات المجتمع، وصارت السداة التي تمسك النسيج المجتمعي التونسي، ولتصبح بعد ذلك الوعاء الكبير الذي يجمع كل تيارات السياسة في البلاد.
حاول الحزب الحاكم أيام بورقيبة أن يبني نسيجا موازيا لاتحاد الشغل.. فبعث "الشُّعَب المهنية" ، أي خلايا حزبية تعوض النقابات وتراقب القطاعات المهنية، ولكنها ظلت خلايا معزولة عن المنظمة النقابية الأصلية، الاتحاد.
بن علي.. اعتمد أسلوبا آخر لتحييد اتحاد الشغل. اشترى ولاء قيادته المركزية.. ولكن جسم المنظمة الكبير وهياكله الجهوية والقطاعية ظلت حية ومتحفزة دائما للاحتجاج "الاجتماعي/السياسي".
نظام 25 جويلية اهتدى إلى "الصيغة الأنسب" لإلغاء اتحاد الشغل ومحوه من الوجود. بأقل التكاليف! أمر حكومته بوقف كل صيغ التعامل مع اتحاد الشغل! وهو ما يعني بالنسبة إلى النظام أن الاتحاد لم يعد موجودا، كطرف اجتماعي يتفاوض معه في شؤون العاملين في مؤسسات الدولة!
وفي خطوة أخرى، أوقف الاقتطاع الآلي من أجور موظفي الدولة لصالح الاتحاد، لتجد المنظمة نفسها من دون تمويل تقريبا، لتدخل سريعا في مرحلة العجز عن سداد معاليم كراء مقراتها في الجهات.. وقريبا في المركز.. بما يعني نهايتها عمليا!
تماثلات تاريخية: دكتاتورية الأسد احتاجت أن تصفّى النقابيين أولا (التيار اليساري والحقوقي)، لتمرّ بعدهم إلى تصفية الحركة الإسلامية.. لتستمرّ نصف قرن كامل قتلت خلاله ملايين السوريين!
ما يجري عندنا منذ 25 جويلية، عبر مراسيم موجهة بدقة، استنساخ "لا تاريخي" لتجربة الأسد:
تصفية متدرجة لاتحاد الشغل، وترذيل شعبوي للحركة الحقوقية، وغلق الفضاء السياسي بمحاكمات صورية تصدر عنها أحكام سريالية، ثم ما نشهده هذه الأيام من تمهيد إعلامي لحظر قانوني نهائي لحركة النهضة، رغم أنها محظورة عمليا.
التاريخ لا يعيد نفسه طبعا.. لكن الدكتاتورية تعيده رغم أنفه!

