الانحياز إلى النظام الديمقراطي هو انحياز إلى منظومة قيمية وقواعد أساسية في إدارة الشأن العام، وفي توزيع الثروة والسلطة بين مواطنين يُفترض أنهم متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.
وهذا الانحياز لا يعني القول إنّ الديمقراطية نظام سياسي مثالي خالٍ من العيوب، وإنّما يعني أنّها النظام السياسي «الأقلّ عيوباً» أو «الأقلّ سوءاً»، كما قال بعض المفكّرين، قياساً إلى أيّ نظام سياسي آخر.
وحديث بعضهم عن «ديمقراطية حقيقية» و«ديمقراطية مزيّفة»، تبريرا للانقلاب على مسار الانتقال الديمقراطي، هو، في رأيي، محض هراء؛ إذ هناك ديمقراطية، وهناك استبداد، وهناك أنظمة هجينة، من قبيل هذا النظام السعيد الذي نحن بين أيديه منذ خمس سنوات ونيّف، حيث يحكم رجل واحد قال إنّ «الشعب بأكمله حلّ في سيادته»، فأصبح هو والشعب سيّان؛ تماماً كقول بعض الكهنوت قديماً بحلول «اللاهوت في الناسوت».
والمحتجّون بأنّ الديمقراطية خلال العشرية «البيضاء» ــ سوّد الله وجه من سوّدها يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه ــ لم تكن ديمقراطية حقيقية، هم غالباً من سليلي تلك المدارس الأيديولوجية التي أنتجت أسوأ أنواع الأنظمة الديكتاتورية على مدار التاريخ، وهي ترفع، هي الأخرى، شعار «الديمقراطية الحقيقية» و«السيادة الشعبية».
فلتتذكّروا أنّ جلّ الأنظمة الشيوعية السابقة، وحتى ما استمرّ منها إلى اليوم، كانت تضيف كلمة «الديمقراطية» إلى أسماء بلدانها؛ مثل كوريا الشمالية، التي ما يزال اسمها الرسمي «جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية»، في حين يعرف العالم أنّها مناقضة للديمقراطية تماماً. أما كوريا الجنوبية، فتسمّي نفسها ببساطة «جمهورية كوريا»، من دون أيّ تزيّد أو إضافة بلا معنى، ناهيك عن أن تكون تلك الإضافة معاكسة للواقع.
وخلاصة القول، أيها الأحباب، إنّ فشلنا في التمكين للديمقراطية، جرّاء عوامل يطول شرحها، بعد محاولة استمرت قرابة عشر سنوات مضنية، لن يلغي ــ مهما فعل التهريج الخطابي، والعبث السياسي، والحذلقات الأيديولوجية، والتلاعب الزقفوني المجيد ــ حقيقة أنّ الديمقراطية، باعتبارها ذلك النظام السياسي القائم على الانتخابات النزيهة، والضامن للحريات وحقوق الإنسان، والمرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات، هي النظام الأفضل الذي بلغه العقل السياسي البشري إلى اليوم.
ولا بديل عن الديمقراطية، ولا غنى عنها، في تحقيق الكرامة الإنسانية بمعناها الشامل والمستدام، إلا إذا اختار قومٌ الاستسلام للحكم الفردي التسلّطي، وللهلوسات الفكرية المتلاعبة بحاضر الوطن ومستقبله، وتبديد الوقت والجهد والموارد البشرية والمادية لهذا الوطن، الذي لم يكن يخطر ببال أحد أن ينتهي به الأمر إلى هذا الحضيض.
خالد شوكات

