لم تشهد تونس في تاريخها الحديث فترة أردأ وأقبح وأفشل من التي نعيشها حاليا في ظل نظام العلو الشاهق. والرداءة والقبح والفشل شملوا كل مجالات الحياة ولم يستثنوا شيئا.
ولكن الأخطر من الرداءة والقبح والفشل هو التطبيع معهم والقبول بهم كقدر محتوم.
بكلّ وضوح، وبعد سبع سنوات من الحكم، منهم خمس سنوات من الحكم الفردي المطلق، أستطيع أن أجزم بكلّ موضوعيّة أنّ تونس لن تقوم لها قائمة مع هذا النظام، وسيزداد الوضع سوءا ورداءة وقبحا وفشلا…..ففاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه.
علينا الإقرار كذلك أنّ تجربة الإنتقال الديمقراطي الناشئة كانت فاشلة رغم هامش الحريّات الكبير، وتتحمّل النخب السياسية والمدنية والإعلامية القدر الأكبر من المسؤولية في فشلها وإجهاضها. المشكلة لم تكن يوما في الإنتقال الديمقراطي، بل في من أداروه وتعاملوا معه كغنيمة وجعلوا من صراعات التموقع أهم غاياته، بعيدا عن السعي الدؤوب لتحقيق تطلّعات التونسيين و تحسين واقعهم المعيشي والحياتي.
ولكن فترة الحكم التسلّطي الفردي العبثي كانت أسوأ وأفشل بكثير. فلا إنجازات ولا إصلاحات ولا حقوق ولا حريّات. باسم "حرب التحرير الوطني" ومحاربة الفساد تحوّلت البلاد إلى سجن كبير وساحة لتصفية المعارضين وتصحير العمل السياسي والمدني والمواطني، وتوظيف أجهزة الدولة ووظائفها لقمع كل نفس معارض وإشاعة الخوف بين مواطنيها والتعامل معهم كرعايا.
هذا النظام أخرج "أخيب" ما في التونسيين من مشاعر الحقد والكراهيّة والشماتة والتشفّي، وقسّم التونسيين بين مخلصين صادقين ومتآمرين وخونة، وأحدث شرخا اجتماعياً لن يكون من السهل رتقه.
رغم كل ذلك، مازالت البلاد تتوفّر فيها كل إمكانيّات التقدّم والإزدهار، وتحتاج لتحقيق ذلك للعقل والذكاء الجماعي والعِلم والعمل والعمل والعمل، وإلى عقد اجتماعي جديد يضع المواطن في جوهر كل عملية إصلاحيّة ويعيد الثقة بينه وبين الدولة وأجهزتها، بشرط التخلّي عن "العقل الأمني" في إدارة البلاد وتحرير طاقات البلاد وتمكينها من كل الظروف الملائمة للخلق والمبادرة والإبتكار والإبداع…..والحُلم.
باختصار، إنقاذ البلاد من الرداءة والقُبح والفشل والعبث يحتاج إلى تغيير شامل وعميق وجذري في طريقة قيادة وحوكمة البلاد وفي عقليّات نُخبها ومواطنيها…….وهذا ممكن إذا توفّرت الرؤية والكفاءة والإرادة.

