العياشي الهمّامي.. حين يدخل المحامي السجن ولا تدخل الحرية
مقالات راي 20 أوت 2026

العياشي الهمّامي.. حين يدخل المحامي السجن ولا تدخل الحرية

بقلم: ameurayed

لم يسبق لي أن التقيت العياشي الهمّامي وجهاً لوجه، ولا مرة واحدة. وهذه مفارقة غريبة في زمننا: قد لا تلتقي إنساناً في الطريق، ولا تجلس معه إلى مائدة، ولا تصافحه، لكنك تعرف صوته، وتعرف طريقته في التفكير، وتعرف شيئاً من معدن روحه. هكذا عرفت العياشي. كانت بيننا هواتف، ومكالمات متفرقة، وحديث عن تونس والحريات وحقوق الإنسان، في زمن بن علي، ثم بعده. ولم تكن تلك المكالمات طويلة دائماً، لكنها كانت تكفي لكي أعرف أنني أمام رجل لا يتعامل مع الحرية باعتبارها شعاراً سياسياً، بل باعتبارها امتحاناً أخلاقياً يومياً.

اليوم، العياشي الهمّامي في السجن. اعتُقل في 2 ديسمبر/كانون الأول 2025 لتنفيذ حكم استئنافي بالسجن خمس سنوات في القضية المعروفة إعلامياً بـ«قضية التآمر». وقد وصفت منظمات حقوقية دولية القضية والأحكام الصادرة فيها بأنها ذات دوافع سياسية، ودعت إلى الإفراج عن المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم.

لكنني، وأنا أكتب عنه، لا أريد أن أكتب فقط عن ملف قضائي، ولا عن رجل أصبح رقماً في قائمة السجناء. أريد أن أكتب عن معنى أن يدخل محامٍ إلى السجن، بينما يفترض أن تكون مهمته الطبيعية أن يفتح أبواب السجون أمام العدالة.

العياشي من أولئك الذين لم تكن خصومتهم مع الاستبداد انتقائية. في أيام بن علي، كان يدافع عن الحريات حين كان الدفاع عنها مكلفاً. وكان منخرطاً في نضالات حقوقية ومحاماة سياسية عابرة للاصطفافات؛ وقد تحدث هو نفسه عن اعتصام المحامين سنة 2005 وإضراب الجوع الذي شارك فيه دفاعاً عن استقلال المهنة والحريات.

ولعل أجمل ما في تجربته أنه لم يجعل من اختلافه السياسي ذريعة لحرمان خصومه من حقوقهم. كانت أفكاره أقرب إلى اليسار، وهذا لم يمنعه من الدفاع عن الإسلاميين حين كانوا هم المستهدفين. وهذه ليست فضيلة صغيرة. ففي بلادنا العربية، حيث تحولت السياسة في أحيان كثيرة إلى قبائل متصارعة، يصبح الدفاع عن حق الخصم أكثر شجاعة من الدفاع عن حق الصديق.

لقد كان العياشي يقول، بالفعل قبل أن يقول بالكلمات، إن الحقوق لا تتجزأ. إما أن يكون السجين إنساناً له حقوق، أياً كان اسمه وحزبه وفكره، وإما أن تتحول حقوق الإنسان إلى بطاقة عضوية في حزب.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة التونسية المؤلمة. رجل قضى عقوداً في الدفاع عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وعن الديمقراطية واستقلال القضاء والحريات الأساسية، يجد نفسه اليوم خلف القضبان. كأن التاريخ يريد أن يختبر الرجل في أصعب صورة: هل يبقى متمسكاً بالمبادئ حين يصبح هو نفسه موضوع القضية؟

وأنا لا أعرف إن كانت كلماتي هذه ستصل إليه في سجنه. ربما لا تصله. وربما تصل إليه بعد وقت طويل. لكنني أكتبها وأنا أعرف أنها ستصل إلى مكانها الآخر: إلى ضمير من يقرأها، وإلى الذاكرة، وإلى تونس التي لا تزال تبحث عن صورتها بين حلم الحرية وخوف السلطة.

ثم هناك ما هو شخصي، أو ما يشبه الشخصي.

يجمعني بالعياشي، إلى جانب الانحياز إلى الحقيقة والإنصاف والحرية، انتماء إلى قبيلة "الهمامّة". وقد اختلف النسّابون في أصولها؛ فمنهم من يردّها إلى الجزيرة العربية، ومنهم من يصلها بقبائل بني هلال. ولا أملك رغبة في أن أحسم ما لم تحسمه كتب الأنساب. لكنني أعرف شيئاً واحداً عن الصورة التي بقيت لهذه القبيلة في الذاكرة الشعبية: الشجاعة والكرم والتضحية

وربما لا يحتاج الإنسان إلى أكثر من ذلك حين تضيق به الدنيا: أن يعرف أن وراء اسمه ذاكرة من الرجال الذين لم يخافوا كثيراً، وأن وراءه أرضاً تعلّم أبناءها أن الكرامة ليست ترفاً.

لكنني لا أريد أن أجعل من القبيلة تفسيراً للعياشي. فالرجل أكبر من نسبه، وأكبر من جغرافيته، وأكبر حتى من معاركه السياسية. الشجاعة ليست جيناً ينتقل في الدم، وإنما اختيار يتجدد في اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يصمت فيختار الكلام، أو يستطيع أن ينحاز إلى الأقوياء فيختار الوقوف إلى جانب المظلوم.

وهذا هو العياشي الذي أعرفه: ليس من خلال لقاء شخصي، وإنما من خلال صوت في الهاتف، ومواقف عرفتها تونس، ومسيرة جعلت الدفاع عن الحرية جزءاً من معنى حياته.

قد يسجنون جسداً. وقد يحاصرون صوتاً. وقد يمنعون محامياً من مكتبه، وناشطاً من منبره، وسياسياً من حريته. لكنهم لا يستطيعون، مهما طال السجن، أن يجعلوا الظلم عدلاً، ولا أن يجعلوا الحرية جريمة في ذاكرة الناس.

العياشي الهمّامي في السجن اليوم. لكن السؤال الحقيقي ليس: أين العياشي؟ السؤال هو: أين تونس التي كان العياشي يناضل من أجلها؟ وأين نحن، حين يصبح الدفاع عن حق الخصم تهمة، ويصبح المحامي الذي دافع عن السجناء سجيناً؟

في النهاية، لا أكتب للعياشي وحده. أكتب له ولتونس، ولأولئك الذين ما زالوا يعتقدون أن الحرية لا تحتاج إلى لون سياسي، وأن العدالة لا تسأل السجين قبل أن تدافع عنه: من أي حزب أنت؟

ولعل أجمل تحية يمكن أن تصل إلى سجين، هي أن نقول له: لم تذهب شجاعتك سدى. لقد رأيناها، حتى من بعيد. وأنا، الذي لم ألتق العياشي الهمّامي مرة واحدة، أعرف أن بعض الناس لا يحتاجون إلى اللقاء كي نعرفهم. يكفي أن تسمع صوتهم في زمن الخوف، فتدرك أنك أمام رجل اختار، منذ وقت طويل، أن يكون إلى جانب الإنسان. وهذا، في زمن السجون، ليس قليلاً، إنه الحرية نفسها.

عادل الحامدي

العربي 21

شارك هذا المقال:

العياشي الهمّامي.. حين يدخل المحامي السجن ولا تدخل الحرية | أنساق