المراة العاملة ترفض الاحتفال بعيد المراة
مقالات راي 15 أوت 2026

المراة العاملة ترفض الاحتفال بعيد المراة

بقلم: ameurayed

بينما تحتفي تونس بمرور سبعين عاماً على صدور مجلة الأحوال الشخصية وبعيد المرأة، وترتفع أصوات التهاني والاحتفاء، تقف على هامش هذه الصورة نساء يعشن واقعاً مختلفاً تماماً؛ عاملات في القطاع الفلاحي يواجهن الفقر والتهميش والهشاشة، ويكافحن بعيداً عن صخب الاحتفالات من أجل تأمين لقمة العيش. بالنسبة إلى هؤلاء النساء لا يحمل الثالث عشر من آب/أغسطس معنى الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة، بل يتحول إلى مناسبة لرفع الصوت في وجه واقع يحرمهن من أبسط حقوقهن، ويضع حياتهن يومياً أمام الخطر. فهؤلاء النساء يحملن أعباء الأرض ويؤمن الغذاء للبلاد، لكنهن يعدن إلى بيوتهن مثقلات بالتعب والجوع، ويخرجن مع كل صباح في شاحنات تفتقر إلى شروط السلامة، وكأنهن يحملن أكفانهن معهن في رحلة يومية محفوفة بالخطر، لا يضمن فيها العودة إلى أسرهن. وفي شهادة تختزل حجم هذه المعاناة، قالت المدافعة النقابية عن حقوق العاملات في القطاع الفلاحي والعاملة الفلاحية منيرة بن صالح، إن الثالث عشر من آب/أغسطس "لا يمكن أبداً أن يكون يوماً للاحتفال، مؤكدة أن الأولى به أن يكون يوماً للاحتجاج على واقع العاملة الفلاحية، ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الاحتفاء بالمرأة، تواصل العاملات في القطاع الفلاحي مواجهة واقع قاسٍ بعيداً عن الأضواء بحثاً فقط عن لقمة العيش والعودة سالمات إلى أسرهن. وأوضحت منيرة بن صالح أنه لا يمكن الحديث عن الاحتفال بعيد المرأة في ظل الواقع الذي تعيشه العاملات، معتبرةً أن هذا اليوم يجب أن يكون يوم احتجاج حقيقي على الوضعية العامة للعاملة الفلاحية التي ما تزال تعيش "أبشع صور الهشاشة"، مشيرةً إلى أن "العاملة الفلاحية لا يتذكرها أحد ولا يتم الالتفات إليها إلا عندما تكون هناك حاجة إلى عملها"، لافتةً إلى أنها اليوم "تموت ببطء" بفعل التغيرات المناخية، وشاحنات الموت والفقر المدقع، والحاجة والجوع. وأضافت أن العاملة الفلاحية أصبحت وكأنها "ليست مواطنة في هذه الدولة"، رغم الدور الكبير والمحوري الذي تؤديه، لتجد نفسها في يوم عيد المرأة أمام "عيد بلا أي حقوق"، مؤكدةً أن العاملات في القطاع الفلاحي يتعرضن للأذى "بأسوأ الطرق" على المستويين الصحي والنفسي، إلى جانب الأذى المادي. ولفتت إلى أنهن يعاملن بقسوة شديدة ويعشن في ظروف "لا إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى"، رغم أنهن يقمن بكل شيء ويؤمن الغذاء للآخرين، بينما هن أنفسهن جائعات وغير متغذيات "أن العاملة في القطاع الفلاحي هي التي تؤمن الغذاء لكل شخص على هذه الأرض، في حين تعيش غير آمنة وغير مستقرة وتعمل بلا توقف ولا راحة"، منوهةً إلى وجود فتيات في سن 12 و13 عاماً يعملن في ظروف من الشقاء والقهر، من دون أي حماية. "العاملة الفلاحية لا تُمنح أي قيمة" بدورها، أكدت جميلة، وهي عاملة في القطاع الفلاحي، أن "مرور سبعين عاماً من النضالات وإصدار القوانين لم ينجح في ضمان حقوق العاملات الفلاحيات كاملة، ولم تصل العاملة الفلاحية إلى ما يفترض أن تصل إليه، خاصة أن الدولة لا تعترف بها، ولا تمتلك العاملة حتى أبسط حقوقها". وأضافت "اليوم تُنقل العاملة الفلاحية في شاحنات تقل ثلاثين وأربعين راكبة! في عام 2026 أي في وقت يُفترض أن يكون فيه الناس قد تقدموا وتطوروا، نجد أننا ما زلنا نعيش في تخلف، لماذا لا تتمتع العاملة الفلاحية بحقوقها؟ نحن نمثل 80 بالمائة من العاملين في القطاع الفلاحي أي العمود الفقري للبلاد، فلماذا لا يُعترف بالعاملة الفلاحية؟ وحتى في الهوية الوطنية يُعرف عملها على أنه لا شيء، مع أنها كل شيء". وشددت على أن "العاملة الفلاحية مظلومة في تونس ولا تُمنح أي قيمة" متسائلة "ألا يدركون أنها إنسانة مرهقة في جسدها وروحها؟ إنها تعمل دورين؛ فهي تعتني ببيتها وتربي أطفالها، وتستيقظ في تمام الساعة الرابعة صباحاً، وتعود وقت المغرب بعد أن تؤدي واجبها في الحقل، لتعود مجدداً إلى إعداد طعام الصباح وغسل الملابس وتحمل التعب. العاملة الفلاحية هي أكثر إنسانة متضررة داخل أسرتها وفي تونس". كما تحدثت عن الظروف المناخية القاسية التي تواجهها العاملات، مستذكرة وفاة عاملة بضربة شمس في ولاية صفاقس "الإعلام تحدث عنها مدة يوم أو يومين ثم انقطع البث، كأن الأمر مجرد حادثة عابرة، لماذا؟". ​وأكدت جميلة على ضرورة التحرك الميداني ومساندة العاملات الفلاحيات من قبل السلطة والإعلام والمجتمع المدني "على الجمعيات والمجتمع المدني مساندة العمال والفلاحات، والخروج إلى الميدان لرؤية العاملات الفلاحيات كيف يعملن، وأن تتعامل معهن على أرض الواقع، وتوفر لهن على الأقل أبسط مستلزمات الحماية من الشمس، عليهم أن يروا كيف تقاوم هؤلاء العاملات ليدركوا حجم المعاناة الحقيقية التي تعشنها في الوقت الذي تتقاضين فيه أجور زهيدة". وأوضحت أن المعاناة لا تتوقف عند ضعف الأجر، بل تمتد إلى غياب أبسط مقومات الحماية والرعاية الصحية، قائلة "تلك هي حقيقة كيف تعيش، ومعنى الأجر الذي تتقاضاه؛ فالعاملة الفلاحية إذا مرضت تضطر إلى البقاء في بيتها عاجزة، لأنها لا تملك ثمن العلاج ولا تتوفر لديها دفاتر علاج، وغالباً ما تكون غير قادرة على فعل أي شيء، ولا تجد كيف تتصرف. وكل ذلك مقابل أجر زهيد جداً لا يكفي لشيء في ظل هذا الغلاء، وتحت لهيب الشمس الحارقة والطقس القاسي". وعن ظروف العمل والتنقل التي تزيد من حجم معاناة العاملات قالت "تركب العاملة في شاحنة مكشوفة أو مبللة، وتمشي واقفة، وتتحمل أتون الشمس الحارقة والحرارة المرتفعة، وهي لا تفعل ذلك لأنها راضية أو لأنها تحب هذا الوضع، أبداً، بل هو أمر مفروض عليها فرضاً، عليها أن تعمل، وإلا فلن تجد ما تأكله هي وعائلتها التي تعيلها. ما من إنسان يفرح بأن يعيش مظلوماً، لأن في ذلك ذلاً". وختمت جميلة شهادتها بعبارة تختصر حجم الخوف الذي يرافق العاملة الفلاحية في رحلة العمل اليومية، قائلة: "هي ليست فرحة، بل تحمل كفنها بيدها، وعرضة لاحتمال أن تعود أو لا تعود إلى أطفالها". زهور المشرقي

شارك هذا المقال: