النخبوية  والشعبوية: وجهان لعملة واحدة؟
مقالات راي 26 جويلية 2026

النخبوية والشعبوية: وجهان لعملة واحدة؟

بقلم: ameurayed

تنطلق الديمقراطية من مبدأ واضح: الشعب مصدر السيادة، والسلطة لا تستمد مشروعيتها إلا من إرادته. غير أن الشعب لا يحضر في الممارسة السياسية بوصفه واقعًا اجتماعيًا متعددًا ومتناقضًا، بل يعاد تشكيله داخل الخطابات السياسية والفكرية، بحيث ينتج كل خطاب صورة للشعب الذي يدّعي تمثيله.

فلا يوجد، في خطاب الفاعلين والنخب، شعب واحد متجانس، بل «شعوب» متعددة يصنعها الخطاب. هناك شعب يُمجَّد باعتباره مصدر الحكمة والشرعية، وشعب آخر يُصوَّر بوصفه جاهلًا أو منقادًا أو غير مؤهل للديمقراطية. والشعب الممدوح هو غالبًا الشعب الذي يوافق تصورات النخبة وخياراتها؛ أما حين يصوّت لخصومها أو يرفض مشاريعها، فإنه يتحول من شعب سيد إلى جمهور مخدوع تحركه العواطف والتضليل.

ولا يقتصر هذا المنطق على الشعبوية، بل قد تقع فيه أيضًا النخب التي تعلن الدفاع عن العقلانية والمؤسسات والديمقراطية. فهي تنتقد الشعبويين لأنهم يختزلون المجتمع في «شعب حقيقي» متجانس، لكنها تختزل الشعب بدورها في الفئات التي تتبنى رؤيتها، وتقصي رمزيًا من يخالفها.

من هذه الزاوية، لا تبدو النخبة نقيضًا مطلقًا للشعبوية، بل قد تمثل وجهها الآخر. فالشعبوي يتحدث باسم «الشعب الحقيقي» ضد النخب، بينما تتحدث النخبة باسم «الديمقراطية الحقيقية» ضد جزء من الشعب. الأول يحتكر تعريف الشعب، والثانية تحتكر تعريف الديمقراطية. الأول يقسم المجتمع بين شعب نقي ونخبة فاسدة، والثانية بين مواطنين عقلانيين وجماهير غير ناضجة أو قابلة للتلاعب.

ويقوم الخطابان على بنية إقصائية متشابهة. فالشعبوية تنزع الشرعية عن النخب والمؤسسات الوسيطة، بينما تنزع بعض النخب الشرعية المعرفية والأخلاقية عن قطاعات اجتماعية واسعة. وفي الحالتين، لا يعود التعدد السياسي والاجتماعي حقيقة ينبغي تنظيمها ديمقراطيًا، بل انحرافًا ينبغي استبعاده.

وتبدأ المشكلة عندما تتحول النخب من وسائط لخدمة المجتمع إلى قوى تدّعي معرفة مصلحته أكثر منه، أو حين تعتبر تفوقها التنظيمي والعلمي والتقني تفويضًا دائمًا للحكم والوصاية. فالنخبة السياسية تتحكم في القرار، والحزبية في الترشح وصناعة القيادات، والإعلامية في ترتيب القضايا، والأكاديمية والخبراتية في إنتاج المعايير التي يُقاس بها الصواب والخطأ.

ومن خلال هذا التفوق، لا تكتفي النخب بتمثيل المجتمع، بل تسهم في إنتاجه رمزيًا، فتحدد من هو المواطن العقلاني، وما هو الاختيار المشروع، وما هي الديمقراطية الجيدة. وباسم الخبرة والكفاءة، تتحول مسائل سياسية قابلة للنقاش إلى قضايا تقنية مغلقة، ويجري استبعاد الاختيار الشعبي لا بالقوة، بل باسم العقلانية.

وتتمثل إحدى أهم آليات الهيمنة النخبوية في تحويل الخلاف السياسي إلى تفاوت معرفي. فبدل الاعتراف بتعدد المصالح والرؤى، يُقال إن طرفًا يعرف والآخر يجهل، وإن طرفًا عقلاني والآخر تحركه الانفعالات. وهكذا يصبح الاختلاف مع النخبة دليلًا على الجهل، ورفض خياراتها علامة على عدم النضج الديمقراطي.

هنا تظهر المفارقة: النخبة التي تنتقد الشعبوية بسبب احتقارها للمؤسسات قد تمارس احتقارًا مضادًا للمجتمع. فالشعبوي يدّعي أن المؤسسات تخون الشعب، بينما يوحي الخطاب النخبوي بأن الشعب قد يخون الديمقراطية. وبين الموقفين تختزل الديمقراطية إما في إرادة شعبية بلا قيود، وإما في مؤسسات وقيم بلا مشاركة شعبية فعلية.

كما أن النخبة والشعبوية تتغذيان من بعضهما بعضًا. فكلما أغلقت النخب المجال السياسي واحتكرت القرار والخبرة وأظهرت ازدراءها لاختيارات المواطنين، وفّرت شروط صعود الشعبوية. وكلما صعدت الشعبوية وهددت المؤسسات، ازدادت النخب انغلاقًا ودفاعًا عن مواقعها باسم حماية الديمقراطية.

وبذلك تنشأ دائرة مغلقة: الإقصاء النخبوي يولد الاحتجاج الشعبوي، والاحتجاج الشعبوي يبرر مزيدًا من الإقصاء النخبوي. وتتحول الديمقراطية إلى صراع بين من يحتكر الشعب ومن يحتكر العقل.

إن الخطر لا يكمن فقط في أن تتحدث النخبة باسم الشعب، بل في أن تنفي أهليته حين يخالفها. فهي تستدعيه مصدرًا للسيادة عندما تحتاج إلى الشرعية، ثم تستبعده من القرار عندما تعتبر اختياراته غير عقلانية. وفي المقابل، تستدعي الشعبوية الشعب باعتباره حقيقة كلية، لكنها تفرغه من تعدده وتحوله إلى كتلة صامتة تتكلم القيادة باسمها.

وهكذا يُغيب الشعب في الخطابين معًا: يُستبدل بالخبير في الخطاب النخبوي، وبالزعيم في الخطاب الشعبوي. ويترتب على ذلك تغييب الديمقراطية ذاتها، لأنها لا تختزل لا في حكم الخبراء ولا في التصديق على إرادة قائد يزعم تجسيد الشعب، بل تقوم على تنظيم الاختلاف وتوزيع السلطة والمساءلة وتداول المواقع.

وتقتضي الديمقراطية إعادة بناء العلاقة بين النخب والمجتمع على أساس التواضع المعرفي والسياسي. فالنخبة لا تستمد مشروعيتها فقط من معرفتها، بل من وضع هذه المعرفة في خدمة النقاش العمومي، وقبول المساءلة والخطأ والمراجعة. كما أن الشعب لا يمارس سيادته بمجرد تأييد قيادة أو رفض نخبة، بل بالمشاركة المتواصلة في صنع القرار ومراقبته وتصحيحه.

والنخبة الديمقراطية ليست التي تتكلم بدل الشعب، بل التي تساعده على التعبير بأصواته المتعددة، ولا تقيس ديمقراطية المواطنين بمدى تطابق اختياراتهم مع اختياراتها، بل بمدى احترام الجميع للتعدد والحرية والمساءلة.

ومن هنا يمكن القول إن النخبة قد تكون الوجه الثاني للعملة الشعبوية، لا لأنها تماثلها في الوسائل، بل لأنها تشاركها نزعة احتكار التمثيل والحقيقة. فالشعبوية تقول: لا شعب خارج الشعب الذي نمثله، والنخبوية تقول: لا ديمقراطية خارج الديمقراطية التي نعرّفها. وبين الادعاءين يختفي الشعب الواقعي، وتتحول الديمقراطية من عملية مفتوحة إلى هوية يحتكرها طرف ضد آخر.

لذلك، فإن حماية الديمقراطية لا تمر فقط عبر مواجهة الشعبوية، بل أيضًا عبر إخضاع النخب للنقد والمساءلة. فالنخبة التي لا تراجع خطابها وممارساتها قد تتحول من قوة دفاع عن الديمقراطية إلى أحد أسباب أزمتها.

وخلاصة الأمر أن أزمة الديمقراطية لا تنتج فقط عن تمرد الشعب على النخب، بل أيضًا عن تمرد النخب على المجتمع. كما أن الشعبوية لا تنشأ فقط من انفعال الجماهير، بل من فشل المؤسسات والنخب في بناء تمثيل ومشاركة حقيقيين. ولهذا فإن تجاوز الشعبوية يقتضي تجاوز النخبوية المغلقة، وبناء ديمقراطية لا تقدس الشعب ولا تحتقره، ولا تلغي النخب ولا تطلق يدها، بل تجعل من المشاركة والتعدد والتداول والمساءلة أساسًا للعلاقة بين المجتمع والسلطة.
لطفي طرشونة

شارك هذا المقال:

النخبوية والشعبوية: وجهان لعملة واحدة؟ | أنساق