عاد اليسار التونسي في أوت 2026 إلى مساءلة نفسه علنًا عبر نصين مركزيين: حمّة الهمّامي وأيمن العلوي، وقراءة نقدية لطارق الكحلاوي. حيوية هذا النقاش تستحق التثمين في مشهد سياسي عام يغلب عليه التسطيح والتراشق أكثر من الجدل الفكري الجاد. لكن النصوص الثلاثة تشترك في سمة واحدة تستحق الوقوف عندها: تشخّص العلة أكثر مما تجترح لها علاجًا ذا شروط مادية وتنظيمية واضحة. و هذه مساهمتي في النقاش لإثرائه و كذلك لاستعمال مثل هذه المنصات في المجال الذي يفيد أي النقاش العام.
جذور أبعد من العشرية
أزمة اليسار التونسي ليست وليدة 2011 أو انهيار الجبهة الشعبية وحدها، بل امتداد لمسار أطول بدأ مع نشأة "اليسار الجديد" في السبعينات، بجناحيه: تيار "العامل التونسي" (حزب العمال لاحقًا) وتيار "البيان" (العائلة الوطنية الديمقراطية والوطد). ورثت هذه التنظيمات منذ التأسيس ثلاث سمات لازمتها إلى اليوم: مرجعية أيديولوجية شمولية تعامل الديمقراطية الداخلية بوصفها ترفًا لا شرطًا؛ علاقة أداتية بالمسألة الدينية استعدت الحساسية الشعبية بدل التفاوض معها؛ وانغماس عميق في العمل النقابي عبر الاتحاد العام التونسي للشغل كبديل عن حزب جماهيري مستقل.
ثلاث قراءات
حمّة الهمّامي يدافع عن حق الشعب في تقييم العشرية 2011-2021، رافضًا حجة "الأولوية اليوم لمقاومة الاستبداد"، ويحمّل المسؤولية الأولى للأحزاب التي حكمت بأغلبية مريحة، وفي مقدمتها النهضة، لاستمرارها في خيارات نيوليبرالية. قوة النص في وضوحه التوثيقي، لكن حدوده تظهر عند تفسيره: تضاعف الدَّين أربع مرات يشي بعجز الدولة عن الحسم أكثر مما يدل على انتصار مشروع نيوليبرالي متماسك، ويبقى جوابه – "القطيعة مع نمط الإنتاج" – معلقًا دون تحديد القوة الاجتماعية القادرة على إنجازه.
أيمن العلوي يدعو صراحة إلى الاعتراف بأن تنظيمات اليسار "ليست أحزابًا جماهيرية فعلية"، والكف عن الاشتغال بالذاكرة، وبناء منظمة حديثة ببرنامج "جذري في أهدافه، إصلاحي في أفقه". لكنه، كما يلاحظ الكحلاوي، يعيد اكتشاف منطق الجذرية-الإصلاحية القديم في تاريخ الاشتراكية الأوروبية دون أن يسمّيه أو يحسم موقعه منه.
طارق الكحلاوي يقدّم قراءة نقدية عميقة عبر ثلاث ملاحظات: النصان يعاملان الاتحاد العام التونسي للشغل كأداة لا كجزء من المشكلة البنيوية؛ الجناحان لم يحسما موقفهما من الديمقراطية السياسية (الموقف الاستئصالي من الإسلاميين، والتكوين النظري اللينيني لكوادرهما)؛ والرافعة الاجتماعية للتغيير موجودة ميدانيًا (الماء، البيئة، الأجور) لكن الفاعل الحاضر هيئات حقوقية لا حزب يساري. يخلص إلى ضرورة الانتقال من الراديكالية الماركسية إلى إصلاحية ديمقراطية-اجتماعية معلنة.
قراءة إضافية
أعتقد أن أهم عوامل فشل اليسار تتلخص في عدم مواكبته للتحولات الاجتماعية و ترك الطبقات المهمّشة للمجتمع المدني و للإسلاميين.
هذا هو أهم عنصر إضافي في هذا النقاش، ويجمع ثلاثة أسباب متكاملة. الأول والأعمق: التركيبة الطبقية الفعلية للاتحاد العام التونسي للشغل الفكرة المؤسسة لليسار هي الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية، لكن الاتحاد – الحاضنة الرئيسية لليسار التونسي – بنى قوته على موظفي القطاع العام لا على العمال الفلاحيين والصناعيين غير المهيكلين والنساء العاملات في الفلاحة والنسيج، أي البروليتاريا الفعلية. هذا التركيب مصدر قوة الاتحاد التفاوضية التاريخية، لكنه ترك الفئات الأكثر هشاشة في كل المناطق خارج التأطير النقابي الفعلي.
الثاني، المظهر الملموس للأول: الفراغ الجمعياتي الذي ملأته شبكات التكافل الديني. استفادت هذه الشبكات من ثغرة قانونية (العمل الخيري مسموح، الحزبي مجرّم تحت بورقيبة وبن علي) لبناء حضور يومي في الأحياء الشعبية، بينما بقي اليسار عند مستوى الخطاب الطبقي دون شبكة موازية. الدرس ليس أن يبني الحزب هذه الشبكة بنفسه، بل أن يستقل نسيج جمعياتي يساري تمويليًا وهيكليًا عن الأحزاب.
الثالث، وهو ما منع تصحيح المسار: خطأ استراتيجي فادح في ترتيب الأولويات. تعامل جزء غير هين من اليسار التونسي مع الصراع ضد الإسلام السياسي بوصفه "التناقض الرئيسي" (بمفردات الأدبيات الماوية التي تشرّب منها عند تأسيسه)، بينما أُخضعت العدالة الاجتماعية – جوهر هويته التاريخية – لمرتبة التناقض الثانوي المؤجَّل. حجم هذا الخطأ وفداحة نتائجه يستحقان أن يُقالا بوضوح: دفع هذا الترتيب جزءًا واسعًا من اليسار إلى تحالفات موضوعية معادية لمبادئه (من نداء تونس إلى التطبيع مع انقلاب قيس سعيّد لمجرد استهدافه النهضة)، ففقد اليسار هويته المميزة، وفُتح الطريق أمام شعبوية سعيّد لتستولي على مفردات العدالة الاجتماعية في غياب منازع يساري ذي مصداقية. هذا لا يعني أن القلق من نزعات دينية-محافظة كان موهومًا: التوترات حول الحركات القصووية و حقوق المرأة وحرية الضمير و سياسات المحاور تناقضات ثانوية مشروعة. الخطأ كان في ترقيتها إلى تناقض رئيسي يُخضِع كل ما عداه.
أربع مسائل في تكلس المرجعيات النظرية:
1. عجز عن تحليل الريع الإداري بدقة خارج ثنائية النيوليبرالية/التبعية، وغياب دراسات كمية عن التفاوت، ونموذج تمويلي واقعي للتغطية الاجتماعية، وبديل مفصل لأزمة جودة التعليم لا الخصخصة فقط.
2. غموض دور الدولة في الاقتصاد: مطلب "مزيد من الدولة" دون نظرية حوكمة يخاطر بإعادة إنتاج الريع الذي يعارضه اليسار، كما تكشف عجوزات هيكلية موثقة لمؤسسات عمومية (فوسفاط قفصة، الخطوط التونسية).
3. قصور تقييم تنظيم الدولة: خلط متكرر بين اللامركزية (صلاحيات حقيقية لهيئات منتخبة) واللامحورية (تفويض إداري خاضع للمركز)؛ باب اللامركزية في دستور 2014 صاغه المجتمع المدني أكثر من اليسار، والمجالس البلدية مجمّدة دون أن تصبح معركة يسارية.
4. عدم التكيف مع تطور العالم: أزمة عالمية لا تونسية محضة (تراجع الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، "الباسوكفة") تتفاقم في تونس بضخامة القطاع غير الرسمي وضعف القاعدة الصناعية.
خاتمة: من التشخيص إلى البناء
تنظيميًا، يمكن تفادي مصيدتي الوحدة الفوقية (الجبهة الشعبية) والذوبان في الاتحاد، عبر مسار تصاعدي: وظيفة الحزب – برنامج حكم، تكوين أطر، حاضنة فكرية، قوة اقتراح ومعارضة – منفصلة تمامًا عن نسيج جمعياتي مستقل تمويليًا وهيكليًا. ويتلخص المسار في أربعة محاور: تنسيق سياسي لا تنظيمي حول برنامج حدّ أدنى مشترك حول ملفات ملموسة (الماء، البيئة، الأجور)؛ وحدة بحث اقتصادي مشترك ومستقل؛ فصل صريح للتمثيل السياسي عن النقابي؛ وديمقراطية داخلية معلنة كشرط تأسيسي.
اقتصاديًا، يذهب هذا المقال أبعد من اقتراح الكحلاوي: الجهاز الفكري الراديكالي الشيوعي، حيثما طُبّق كاملًا – من الاتحاد السوفياتي إلى كوبا وكوريا الشمالية – لم ينتج نموذجًا واحدًا يجمع بين نمو مستدام وحرية سياسية ورخاء اجتماعي. في المقابل، يقدّم اقتصاد السوق الاجتماعي (المعروف أكاديميًا بالمدرسة الأوردوليبرالية) سجلًا مختلفًا: ألمانيا بعد 1948، النموذج الاسكندنافي، كوريا الجنوبية.
لكن تونس ليست ألمانيا ما بعد الحرب و لا كوريا و لا السويد الأنسب نموذج هجين سوق اجتماعي-تنموي، بنواة تنظيمية تفكك الريع عبر قانون منافسة صارم وصفقات شفافة، مقترنة بدور تنموي فعلي للدولة وتغطية اجتماعية ممولة واقعيًا – وهو ما يجيب مباشرة على غموض دور الدولة الاقتصادي المذكور أعلاه.
نقد اليسار التونسي لا يعني عدم نقد المدارس الفكرية الأخرى و سأحاول ذلك من منظوري العملي و التعرض لما يسمى الديمقراطية الاجتماعية و كذلك للفكر الليبيرالي كما فهم و مورس في بلادنا.
و يبقى هذا الرأي صوابا يحتمل الخطأ طبعا و هو محاولة لإثراء نقاش ضروري في سبيل بناء حياة سياسية تقطع مع ما سبق.

