تونس أمام مفترق الطرق: سؤال الدولة ومستقبل المرحلة
مقالات راي 7 أوت 2026

تونس أمام مفترق الطرق: سؤال الدولة ومستقبل المرحلة

بقلم: ameurayed

تمر تونس بلحظة سياسية كثيفة تختلط فيها الأسئلة اليومية بأسئلة المصير. فالمواطن الذي يواجه صعوبات الحياة، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى اضطراب الخدمات الأساسية، يجد نفسه أمام مشهد تتقاطع فيه الأزمة الاقتصادية مع أزمة الثقة، وتتداخل فيه مطالب العيش الكريم مع البحث عن أفق سياسي أكثر استقرارًا.

تُقاس علاقة الدولة بالمجتمع في النهاية بما تتركه من أثر في حياة الناس. فالماء والكهرباء والنقل والصحة والتعليم وفرص العمل تمثل الوجه اليومي للدولة، والمساحة التي يختبر فيها المواطن معنى الاستقرار والعدالة والكرامة. وحين تتراجع هذه الوظائف، تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، وتصبح السياسة مطالبة بإعادة بناء الثقة قبل أي شيء آخر.

ومن هنا يفرض المشهد التونسي سؤالًا مركزيًا: أين تقف البلاد اليوم؟ وهل نحن أمام أزمة مرحلة أم أمام تحول أعمق يعيد تشكيل علاقة الدولة بالسياسة والمجتمع؟

إن قراءة الواقع التونسي تحتاج إلى تجاوز سطح الأحداث نحو المسارات التي أنتجتها. فالأزمة الراهنة لم تولد من لحظة واحدة، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة تداخلت فيها صعوبات الانتقال السياسي مع هشاشة البناء المؤسساتي، ومع عجز الطبقة السياسية عن تحويل الاختلاف إلى منافسة منتجة، ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي بقيت تبحث عن حلول جذرية.

لقد حملت مرحلة الانتقال الديمقراطي بعد الثورة آمالًا واسعة، وفتحت فضاءً غير مسبوق للحريات والتعددية، لكنها واجهت في الوقت نفسه تحديات بناء الدولة وإدارة التوازنات وتحقيق الاستجابة الاجتماعية التي انتظرها المواطنون. ومع مرور الوقت، تراكم الإحباط، واتسعت المسافة بين الخطاب السياسي والواقع اليومي، ووجدت البلاد نفسها أمام لحظة إعادة ترتيب كبرى.

الدولة العميقة وسؤال إعادة إنتاج المنظومة

غير أن فهم ما جرى خلال السنوات الأخيرة يظل مرتبطًا بسؤال أعمق يتعلق بالبنى التي تتحرك خلف الواجهات السياسية. فالمشهد التونسي لا يمكن قراءته فقط من خلال الأشخاص الذين تصدروا مواقع القرار، بل يحتاج إلى النظر في مراكز النفوذ والتوازنات المتجذرة داخل الدولة.

ومن هذه الزاوية، برزت الدولة العميقة باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم مسار ما بعد 25 جويلية. فالأمر لم يرتبط فقط بصعود رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى واجهة السلطة، بل رافقه مسار واسع لإعادة تشكيل المجال السياسي، من خلال إقصاء قوى ارتبطت بمرحلة الانتقال، وملاحقة عدد من رموزها قضائيًا، ودخول شخصيات سياسية السجون أو مغادرتها البلاد، وتغير قواعد العمل السياسي والإعلامي.

ويطرح هذا المسار سؤالًا جوهريًا: هل يتعلق الأمر بتغيير في الواجهة السياسية أم بإعادة ترتيب لموازين القوة داخل الدولة؟

فالبنى العميقة للدولة، بما تحمله من مصالح وشبكات وتوازنات، تبحث تاريخيًا عن صيغ تحافظ بها على استمراريتها وقدرتها على التأثير. وعندما تصبح واجهة سياسية ما عاجزة عن امتصاص الأزمات أو الحفاظ على مستوى مقبول من الشرعية، يصبح البحث عن واجهة جديدة احتمالًا مطروحًا لدى القوى التي تسعى إلى حماية مواقعها وإعادة إنتاج نفوذها.

ومن هنا فإن النقاش حول مستقبل تونس لا يمكن أن يتوقف عند سؤال: من سيكون في موقع الرئاسة؟ بل يتجه نحو سؤال أعمق: هل ستشهد البلاد انتقالًا في طبيعة إدارة الدولة وقواعد الحكم، أم ستقتصر التحولات على تبديل الواجهات مع استمرار البنى نفسها؟

بين الأزمة الداخلية والتحولات الإقليمية

في خضم هذا المشهد، يبرز العامل الإقليمي باعتباره جزءًا من معادلة المستقبل. فتونس تتحرك داخل فضاء مغاربي ومتوسطي تتقاطع فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وتؤثر فيه علاقاتها بمحيطها، وخاصة مع الجزائر، وبقية القوى الإقليمية والدولية.

لكن تأثير الخارج، مهما كان حاضرًا، يبقى مرتبطًا بقدرة الداخل على صياغة خياراته. فالدول لا تصنع مستقبلها فقط بما يفرضه المحيط، بل أيضًا بما تنتجه نخبها ومؤسساتها ومجتمعاتها من رؤى وقدرات على الفعل.

مسؤولية الفاعل السياسي وصناعة المرحلة القادمة

أمام هذا الواقع، تصبح مسؤولية الفاعل السياسي التونسي أكبر من مجرد تسجيل المواقف أو انتظار تغير الظروف. فالمرحلة القادمة ستحتاج إلى قوى قادرة على الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع صناعة البدائل، ومن إدارة الخلافات إلى إنتاج مساحات مشتركة.

وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام المعارضة وكل القوى الوطنية: فالتحولات التاريخية لا تُصنع فقط من خلال رفض الواقع القائم، بل من خلال امتلاك تصور واضح لما بعده. وتجربة السنوات الماضية أظهرت أن التشتت السياسي يمنح الأفضلية للقوى الأكثر تنظيمًا وقدرة على المناورة.

لذلك يصبح بناء الحد الأدنى المشترك مهمة مركزية. فهذا الحد الأدنى لا يعني ذوبان الاختلافات الفكرية والسياسية، بل يعني الاتفاق حول القضايا التي تسمح بإنقاذ المجال العام: حماية الدولة، استعادة التوازن بين المؤسسات، إعادة فتح الحياة السياسية، معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وضمان أن يكون المواطن محور أي مشروع قادم.

فاللحظة التونسية لا تنتظر فقط من يصف الأزمة، بل من يمتلك القدرة على تحويلها إلى فرصة لإعادة البناء. والمرحلة القادمة لن يحددها فقط من يغادر المشهد أو من يصعد إليه، بل من يملك الرؤية والتنظيم والشجاعة للمشاركة في صناعة المستقبل.

تونس والسؤال المفتوح

تقف تونس اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. طريق يعيد إنتاج الأزمة عبر تبديل الوجوه وإبقاء القواعد نفسها، وطريق يفتح إمكانية بناء دولة أكثر توازنًا وفاعلية، تقوم علاقتها بالمجتمع على الثقة والإنجاز والمشاركة.

وفي المنعطفات الكبرى، لا يكفي انتظار ما سيأتي؛ فالتاريخ يفتح نوافذه أمام من يملك القدرة على قراءتها وتحويلها إلى فعل. وتونس تحتاج اليوم إلى مشروع سياسي يتجاوز لحظة الصراع، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويجعل من المواطن مركز الاهتمام، ومن المستقبل مسؤولية جماعية.
عامر عياد

شارك هذا المقال:

تونس أمام مفترق الطرق: سؤال الدولة ومستقبل المرحلة | أنساق