كانت مؤشرات كثيرة تلمح إلى أن الانتخابات التشريعية في المغرب ستُفرز نتائج أُعدّت لها كل السبل، لتحمل مُهندس الكرة المغربية فوزي لقجع إلى رئاسة الحكومة، لقيادتها خلال سنوات بناء "مغرب المونديال". ويعني هذا قيادة حكومة تُهندس مسار التطبيع الكثيف، الذي يحاول حسم ملف الصحراء، بجعله أولوية. هذان ملفان يشغلان الدولة في المغرب. لا التضخم المتسارع، ولا نسب البطالة، ولا تراجع التعليم، ولا ضعف قطاع الصحة، ولا الخيار الديمقراطي أو الحريات الأساسية.
وفي ذلك استمرار للتوجه الحالي، لكن بقيادة مباشرة من مهندس النجاح الرياضي لقجع الذي جعل المغرب قوة كروية عالمية. وحين لا تكون الأولويات منطقية، فالمعيار لقيادة الحكومة هو النجاح في إدارة قطاع كرة القدم بإمكانات مفتوحة. وهو أمر مختلف تماماً عن قيادة حكومة وممارسة سياسة غير شعبية أمام 40 مليون مغربي. فما تنفقه الدولة من أجل المونديال يأتي على حساب أولويات اجتماعية، وقد يؤدّي إلى احتقانات ومظاهر احتجاج في الظرفية الاقتصادية. والسرعة التي يمشي بها قطار التطبيع تثير سخطاً شعبياً، والسياسة الخارجية التي تتبع ترامب وجماعته ستؤدّي إلى مشكلاتٍ في المحيط الخارجي. هي تحدّيات كبيرة، سيعيش معها المغاربة أوقاتاً صعبة.
لا يشكل هذا قلقاً للمهندسين، ما دامت القبضة الأمنية محكمة، ولها حضور طاغ، فانضم فوزي لقجع في آخر أنفاس الحكومة الحالية إلى حزب الأصالة والمعاصرة المصنوع على القياس، وافتُعل الغموض حول مستقبله السياسي. استُعملت أدوات جديدة تلائم العصر، مع أدوات قانونية قديمة ضمنت تحقيق المراد، أولها القاسم الانتخابي الذي يحدّ من إمكانية اكتساح حزب واحد لدائرة انتخابية، حتى لو حصل على نسبة كبيرة من الأصوات، فهو يسمح للوائح أحزاب أخرى مشاركته وفق نظام البقايا. وبالطبع، يظل العالم القروي، البعيد عن التنمية، عاملاً أساسياً في تعزيز سيطرة الأحزاب الإدارية، ليبقى جزءٌ من الناخبين محكوماً بشبكات الولاء والأعيان رغم أنهم أكبر المتضرّرين.
الأولوية لتنظيم المونديال، ولو أدّى إلى تفقير فئاتٍ واسعة من الشعب. وحماية الوحدة الترابية، ولو بالتطبيع مع أكبر كيان دموي في التاريخ. الذين يريدون التخفيف من ثقل الوضع، يقولون إن المغرب تحالف مع أميركا بتطبيعه، وليس مع إسرائيل. وكأنه يمكن فصلهما، وكأن لأميركا مصالح خارج تلك التي تخدمها إسرائيل، كسرطان يتغذّى على المنطقة العربية.
الأسوأ من التطبيع هندسته، وبعد إعلان نتائج الانتخابات، ورغم أن السياسة الخارجية لا تخطّطها الحكومة، يتطلع جزء من المغاربة إلى الطريقة التي ستهندس بها الحكومة المقبلة، وستكون نسخة من الحالية، مسارات التطبيع. يقول بعضهم إنه لا فرق بين حكومتي "العدالة والتنمية" و"التجمع الوطني للأحرار ومن معه، لأن التطبيع حدث في عهد حكومة الحزب الأول. ولكن هناك فرق، لهذا كان رهان السلطة مرتفعاً على فوز أحزاب "طائعة" مائة في المائة
هل من استراتيجية حقيقية وناجعة أفضل من توحيد الجبهة الداخلية ضد الفساد أولاً، وفي جو ديمقراطي؟ ومن أفضل من أربعين مليون إنسان يدعمون وحدتك الترابية؟ وهل من وسيلة أفضل من تراجع الفساد واحترام إنسانية المواطنين لربح الرهانات الإقليمية، التي ستُبنى على شرعية داخلية تتميز باصطفاف تام بين الشعب والنظام السياسي، وتتسق سياسياً مع خطوط عريضة تُفاوِض فيها الدولة في ما يمكن التفاوض فيه.
لكن الانتخابات الحالية فوّتت الفرصة، مرّة أخرى، في جو تراجع فيه منسوب الأمل، فكانت نسبة التصويت معبّرة عن اليأس، واستسلام سهل، بدل المقاومة التي قد تؤدّي إلى ما لا تُحمد عقباه، في دولة تراجعت عن الخيار الديمقراطي الذي كان ضمن مقدساتها.
تقول أصوات التطبيع إنّ من الأفضل أن نطبع، ما دام للتطبيع قيمة، قبل أن يطبّع الآخرون. وكأنه قدر لا مفر منه. صحيح أن وقوع حربٍ بشعة كحرب غزّة لم يقم سوى بتأخير خطوة السفارة، وبالتالي الأمل في حدوث أمر قد تفعله إسرائيل، تكون نتيجته أن يؤخر التطبيع الشامل، أمر بعيد الحدوث.
وليس للمغاربة في هذه الانتخابات سوى حسابات هامشية حققها بعضهم بفوز رمزي لتحالف اليسار.
عائشة بلحاج
العربي الجديد

