لم يعد الماء مجرد حاجة يومية. صار امتحانًا للدولة، ولقدرتها على حماية أبسط شروط الحياة. أن يستيقظ المواطن في هذا الحر القائظ ليجد الماء مقطوعًا ليوم أو يومين أو أكثر، وأن يبحث عن قارورة ماء معلب فلا يجدها، ثم ينقطع عنه التيار الكهربائي، فذلك يتجاوز حدود العطب العرضي أو الظرف الاستثنائي. إنها معاناة يومية تضغط على المواطن وتدفعه إلى طرح السؤال الذي تحاول السياسة عادة تأجيله: ماذا تفعل السلطة فعلًا؟
الماء ينقطع، والكهرباء تنقطع، والماء المعلب يغيب من الأسواق، فيما تتسع دائرة الغضب والشعور بالعجز. المواطن الذي كان ينتظر من السلطة حلولًا لمشاكله الأساسية يجد نفسه منشغلًا بتدبير أبسط تفاصيل حياته: كيف يوفر ماء الشرب؟ كيف يحفظ طعامه في ظل انقطاع الكهرباء؟ كيف يواجه حرارة الصيف بلا ماء ولا تبريد؟
هنا يصبح الحديث عن الإنجازات والوعود منفصلًا عن الواقع اليومي. فالسلطة تُقاس، قبل الشعارات والخطب، بقدرتها على أن تجعل الدولة حاضرة حين يحتاجها المواطن.
لقد بُني جزء كبير من الخطاب السياسي على فكرة استعادة الدولة، وإعادة الاعتبار لمؤسساتها، ووضع حد للفوضى وسوء الإدارة. لكن الدولة التي يعجز مواطنوها عن الحصول على الماء والكهرباء في ظروف طبيعية تفقد شيئًا من معناها العملي، مهما كانت قوة خطابها السياسي.
المسألة إذن ليست أزمة ماء فقط. إنها أزمة ثقة، وأزمة إدارة، وأزمة وعود. وكلما طال الانقطاع، اتسع السؤال: أين هي السلطة حين يحتاجها المواطن؟ وأين ذهبت وعود الإصلاح؟ وإلى أي مدى يستطيع الرئيس أن يتحمل مسؤولية نتائج اختياراته؟
حين يصبح الماء حلمًا، تصبح كل الوعود السياسية موضع مساءلة.

