مع مرور الأيام والأسابيع تتوالى الرسائل والمؤشرات الموجهة إلى الرئيس التونسي قيس سعيّد، تتضمن نصائح أو تحذيراً أو تحدّياً. وأصحاب هذه الرسائل مختلفون في دوافعهم ومصالحهم وحساباتهم. ويكتسب هذا أهمية سياسية عالية بسبب تزامنها ووضوحها، وإيحائها بأن المرحلة تزداد صعوبة وخطورة. لهذا وجب التوقف عندها وتحليل النتائج والتوقعات.
من حيث الأهمية السياسية، تكون البداية مع الاتحاد الأوروبي، الشريك الرئيسي لتونس، الذي أصدر بياناً أثار انزعاج السلطة وأنصارها الذين اعتبروه تدخّلاً سافراً في الشؤون الداخلية للبلاد. دعا الاتحاد إلى "تمكين الأصوات المستقلة من المساهمة في تنمية البلاد".
واعتبر أن هناك "بعض التساؤلات لا تزال قائمة بشأن الاحترام الكامل لضمانات المحاكمة العادلة"، داعياً السلطات إلى "ضمان الاحترام الكامل لحقوق الإنسان". لكن الأهم في البيان استنكار الاتحاد الأوروبي ما وصفه بـ"استخدام الاتصالات مع دبلوماسيين معتمدين لدى تونس، بمن فيهم دبلوماسيون أوروبيون، أساساً لتوجيه الاتهامات أو دليلاً ضد المتهمين"، وهي مسألة شديدة الحساسية في العلاقات بين الطرفين. إذ إن قضية "المؤامرة" انطلقت من لقاء بين معارضين ودبلوماسي أوروبي يعمل في تونس. واعتبر ذلك من بين الأدلة على وجود اتصال بطرف أجنبي، وذلك لإثبات تهمة "العمالة" والتآمر على أمن الدولة الداخلي. ورغم أن القضاء تجنّب دعوة أي شخص أجنبي للتحقيق معه في ذلك، تجنّباً للتورّط في إجراء من شأنه توتير العلاقة مع أي دولة أوروبية، رغم مطالبة محامي المتهمين بهذا، إلا أن الحكم النهائي تضمن في حيثياته التعاون مع جهة أجنبية.
لا يدلّ البيان على أن العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي أصبحت مهدّدة جدياً، إذ أكد الاتحاد "التزامه الشراكة التي تجمع الطرفين". وفي المقابل، أظهر عدم ارتياحه لما يجري في تونس. ورغم أن أصواتاً قريبة من السلطة عادت لتطالب بمراجعة بنود اتفاقية الشراكة مع الطرف الأوروبي، خصوصاً في ما يتعلق بعقود التنقيب على النفط، إلا أن الجهات الرسمية تلازم الصمت.
الجهة الثانية المعنية بممارسة الضغط، المعارضة التي تتقدّم ببطء لتجاوز عوائقها وضعفها، فقد أصبح بعض مكوناتها أخيراً يدعو علانية إلى استقالة الرئيس سعيّد، إلا أنها لا تملك القدرة والشروط التي تمكنها من تفعيل هذا على أرض الواقع. لكنها ستواصل الضغط في هذا الاتجاه.
تتعلق الجهة الثالثة بأسماء محسوبة على الحزام السياسي للرئيس سعيّد، التي وجهت قبل أيام رسالة جماعية إلى رئيس الجمهورية تحت عنوان "كيف نرى الإصلاح بدافع الخشية على وطن مأزوم". وأقرّت بأن "الأحوال السياسية تزداد احتقاناً، وأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تنبئ بخطر داهم غير محمود العواقب". واقترح هؤلاء على الرئيس "إقالة الحكومة لثبوت فشلها في إدارة الأزمة"، وإصدار عفو عام "يشمل مساجين الرأي والسياسة"، كذلك "إقرار عفو جبائي وديواني واجتماعي عام، وتخفيض الضغط الجبائي، وتيسير الضرائب المسلطة على رقاب التجار والفلاحين والصناعيين". ودعوا إلى إقالة محافظ البنك المركزي "بسبب فشله" حسب تعبيرهم. وطالبوا بحوار بين الرئيس سعيّد و"الكفاءات والشخصيات الوطنية الفاعلة والمؤثرة".
تبرز الرسالة إدراك بعض المدافعين عن شرعية الرئيس ومصلحته أن البلاد تسير نحو "خطر داهم"، وأن تونس في أشد الحاجة للتغيير، تغيير أسلوب الحكم، ومراجعة الأولويات والسياسات. مع ذلك، وردت أخبار تصب في الاتجاه المعاكس. من جهة، توفي سجينان آخران نتيجة الحرارة ونقص الماء: رجل الأعمال التونسي لزهر سطى، وثري لبناني اسمه علي قاسم قصب الذي ضاع المسكين في حيثيات قصة أخرى، وقد زاد في مخاوف أسر المساجين. ويتعلق الخبر الآخر بقرار حاكم التحقيق إيداع الصحافي محمد اليوسفي السجن بعد إجرائه عملية جراحية في أثناء الإيقاف! فهل يعني هذا فقدان الأمل في احتمال تحسّن الأوضاع، أم أن شمعة قد تضيء قريباً جزءاً من سماء تونس الداكنة؟
الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت، فيما تتجه الأنظار نحو الإضراب العام الذي أعلنه اتحاد الشغل
صلاح الدين الحورشي
العربي الجديد

