سالم الابيض: عن معضلات النظام الرئاسي في تونس
مقالات راي 27 أوت 2026

سالم الابيض: عن معضلات النظام الرئاسي في تونس

بقلم: ameurayed

قبل سنة واحدة من انقلاب 25 يوليو (2021) الرئاسي في تونس، وإنهاء العمل بالنظام البرلماني المُعدَّل الذي أقرّه دستور 2014، وهو نظام أمّن مرجعية تشكيل الحكومة وإسقاطها بيد البرلمان، واكتفى بمنح رئيس الجمهورية الإشراف على وزارتَي الخارجية والدفاع الوطني، تعالت في تونس أصوات نخب فكرية وسياسية تقليدية تحنّ إلى تجربتَي الرئيسَين الأسبقَين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، داعيةً إلى العودة إلى النظام الرئاسي وفق القواعد التي حدّدها دستور 1959 وما طرأ عليه من تنقيحات.

لم يكن المصدر الوحيد لهذه الدعوة النُّخب ذات المرجعية الحزبية والسياسية الدستورية، المستفيدة من الحكم وصاحبة الوظائف الحكومية 55 سنة (1956 - 2011)، ومن والاها من رجال الدولة التونسية وقد أُحيلوا على شرف المهنة، متمتّعين بتقاعد مريح ورفاهية في الحياة، وكانوا غادروا الحياة العامّة طوعاً أو كرهاً بعد أفول نجم نظام بن علي سنة 2011، وإنّما تبنتها تشكيلات سياسية عدّة، ممّن أقصاهم النظام الرئاسي البورقيبي والبنعلي من حقّ المشاركة السياسية وتولّي الحكم والمناصب الوزارية، ونصب لهم المشانق وأصدر في حقّهم أحكام الإعدام والسجن المؤبّد والأشغال الشاقة، ومنعهم من حقّهم في الشغل والحياة الكريمة، من المنتمين إلى التيّارات، العروبي اليوسفي والبعثي والقومي العربي ونظيريه اليساري الماركسي والليبرالي وآخرين، ومن قوى المجتمع المدني ونقاباته وجمعياته المؤثّرة والفاعلة.

اعتقد هؤلاء أنّ النظام البرلماني هو ثمرة إسلامية - نهضاوية أينعت وأثمرت في المجلس التأسيسي (2011 - 2014) الذي تهيمن عليه حركة النهضة. وهو كلام لا يحتاج إلى مناقشة أو ردّ لما ينمّ عليه من جهل بتاريخ الأنظمة السياسية وآليات اشتغالها. ما يحتاج إلى المناقشة الجدّية والمحاجّة الفكرية والتاريخية والردّ السياسي وغير السياسي هو هذا التمسّك الباتولوجي (المَرضي) بالنظام الرئاسي في تونس، بالرغم ممّا خلّفه من مآسٍ وعاهات وأضرار في الحياة العامّة، وحال، على الرغم من مرور 70 سنة على استقلال البلاد، دون تقدّم التونسيين ونهوضهم وأخذ مراكز متقدّمة في سلالم العيش المشترك والتداول السلمي على السلطة والتقدّم العلمي والتكنولوجي والسيادة الرقمية والاقتصادية والمالية والقوّة العسكرية والرمزية بين شعوب الكرة الأرضية، مثل شعوب إسبانيا والبرتغال وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، كانت في التاريخ نفسه، أو نالت استقلالها بعد ذلك بسنوات، أشدّ تخلفاً من البلاد التونسية.

تحتضن سجون تونس اليوم قيادات سياسية حزبية تقليدية ووجوهاً من المجتمع المدني والإعلامي، منهم من سُجن أيّام حكم الرئيس بورقيبة وخلفه بن علي

وأكبر تلك العاهات العلاقة العضوية بين النظام الرئاسي والاستبداد السياسي، ومنع الآخرين من حقّ المشاركة السياسية والتداول على الحكم، وترسيخ القمع ومحاكمة السياسيين والإعلاميين وأصحاب الرأي في محاكمات مفبركة وصورية، وزجّ المختلفين والمعارضين في السجون لتدوينة كتبوها أو موقف معارض وناقد للرئيس وسلطته الحاكمة صدعوا به.

وتحفظ الأرشيفات التونسية ملفّات وأوراق آلاف التحقيقات والقضايا والمحاكمات والانتهاكات والتعذيب ويوميات السجون التي باتت تشكّل أدباً مستقلاً له خصائصه الفنّية والإبداعية، وقد كان ضحاياها آلاف الأشخاص، رجالاً ونساءً، من مختلف ألوان الطيف السياسي والمدني والنقابي، نصف قرن أو يزيد من حكم بورقيبة وبن علي. وفي الزمن الراهن، ومنذ أن أحيا الرئيس قيس سعيّد عظام النظام الرئاسي بعد أن ساد اعتقاد بأنّها أصبحت رميماً، وفق القواعد التي تضمّنها الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 ودستور 25 يوليو (2022)، فإنّ السجون التونسية، خصوصاً سجنَي المرناقية والنساء بمنوبة، باتت شاهداً حيّاً على القمع والاضطهاد الذي طاول أغلب مكوّنات الطبقة السياسية والمدنية والإعلامية، وإصدار أحكام في حقّ بعضهم تجاوزت القرن والقرنَين بعد المؤبّد، مؤكّدة الفرضية القائلة إنّ النظام الرئاسي والاستبداد في تونس صنوان.

فهذه السجون تحتضن قيادات سياسية حزبية تقليدية ووجوهاً من المجتمع المدني والإعلامي، منهم من سُجن أيّام حكم الرئيس بورقيبة وخلفه بن علي، وها هو يعيد تجربة الاعتقال والسجن مرّة أخرى، مثل نجيب الشابي وراشد الغنّوشي وعلي العريض والعجمي الوريمي وعبد الحميد الجلاصي وخالد الكريشي، ومنهم من التحق حديثاً على غرار غازي الشواشي وجوهر بن مبارك وعبير موسي وألفة الحامدي ولطفي المرايحي وبرهان بسيس ومراد الزغيدي وزياد الهاني وغيرهم، هذا من دون ذكر الأحكام الثقيلة الصادرة في حقّ مجموعة من السياسيين التونسيين الذين أُجبروا على التهجير والإقامة في المنفى.

بينما لم يُدوّن في سجلات تاريخ تونس المعاصر محاكمة الناس وسجنهم بسبب أفكارهم وآرائهم وانتماءاتهم السياسية والحزبية ومواقفهم المعارضة لمن يحكم طيلة عشرية التجربة الديمقراطية 2011 - 2021. فقد غابت من المعجم السياسي لتجربة الانتقال الديمقراطي، التي اتخذت من النظام البرلماني مرتكزاً لها، مصطلحات من قبيل التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وارتكاب فعل موحش تجاه رئيس الجمهورية، وتكوين وفاق إرهابي، ومحاولة تغيير هيئة الدولة بالقوّة، وغيرها من التهم التي أسّس لها النظام الرئاسي، حتّى إنّ الرئيس الباجي قائد السبسي خسر دعوى قضائية ضدّ المواطن عماد دغيج، أحد نشطاء روابط حماية الثورة وائتلاف الكرامة، وأضافت المحكمة التونسية في حكمها الاستئنافي لسنة 2019 فألزمت الرئيس التونسي دفع غرامة ومصاريف وأتعاب التقاضي "في سابقة لم يُعرف لها مثيل عربياً وحتّى دولياً لرئيس دولة"، وفق ما جاء في تقرير "ديمقراطية تونس: تغريم الرئيس السبسي بعد خسارته قضية ضدّ مواطن" ("العربي الجديد"، 28/1/2019).

تشابه تجارب النظام الرئاسي التونسي التسلطية في مراحله الثلاث (البورقيبية والبنعلية والسعيدية) لم يقتصر على المستوى السياسي، بتأثيم التعدّدية الحزبية ومنع الأحزاب أو تحويلها إلى مجرّد ديكور أو قتلها قتلاً رحيماً، وجعل الديمقراطية والانتخابات الرئاسية والتشريعية مجرّد لعبة شكلية دورية لتجديد البيعة، وعدم احترام الدساتير بتكييفها وتغييرها على هوى الرئيس لضمان أطول فترة ممكنة من الحكم، ومنع المشاركة السياسية، والزجّ بالمعارضين في السجون، وضرب الحرّيات العامّة والفردية، وجعل الحقوق منّة من الرئيس - الحاكم، وإنّما شمل المسائل الاقتصادية والاجتماعية.

ففي الفترة البورقيبية أوشكت البلاد سنة 1986 على الانهيار المالي والإفلاس، بعد سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أدّت إلى ارتقاء شهداء، تلتها مجموعة من الاعتقالات والمحاكمات على خلفية الإضراب العام الذي نظّمه الاتحاد العام التونسي يوم 26 يناير 1978. وتكرّر المشهد نفسه فيما يُعرف بانتفاضة الخبز مطلع يناير 1984. وكان مردّ الشرارة الأولى (حرق محمّد البوعزيزي نفسه يوم 17 ديسمبر/ كانون الأوّل 2010) إلى الاحتجاج على الفقر وسوء الوضع الاجتماعي وتفاقم البطالة، خاصّةً لدى أصحاب الشهادات الجامعية، وانتشار الفساد وهيمنة عائلة أصهار الرئيس (الطرابلسية) على الثروة الوطنية.

وفي ظلّ حكم الرئيس سعيّد، استحالت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أزمة دورية وهيكلية، من مظاهرها ندرة المواد أو غيابها الكامل من الأسواق، وانقطاع الخدمات العامّة، خاصّةً الكهرباء والماء الصالح للشرب والمياه المعدنية، وغلاء الأسعار المشطّ، وتفاقم البطالة، وانتشار المخدّرات، وتردّي الخدمات الصحّية، وتراجع سعر الدينار التونسي في أسواق المال، والتداين العالي الذي اتخذت منه الحكومة سبيلاً لتمويل الموازنة العامة.

حمل النظام الرئاسي التونسي، إبّان إعلان الجمهورية سنة 1957 وتعيين الحبيب بورقيبة أوّل رئيس، جرثومة الملكية التي أسّسها محمّد الصادق باي في دستور 1861، فقد كان بورقيبة يتغنّى في مجالسه الخاصّة: "إيجي يا فطومة شوفي ولدك ولّى باي". وفطومة هي والدة الرئيس بورقيبة، أمّا الباي فهو ملك تونس، والمعلوم أنّ الرئيس بورقيبة خلع الأمين باي، وهو آخر بايات الأسرة الحسينية التي حكمت تونس 1705 - 1957. فقد أصبح بورقيبة رئيساً لتونس (1957) قبل أن ينهي المجلس القومي التأسيسي أشغاله في 1 يونيو 1959، ويقرّ نهائياً، ومن طريق نصّ دستوري واضح المعالم، النظامين الجمهوري والرئاسي. ورث بورقيبة عن البايات الحكم المطلق وغياب الرقابة والشفافية والحوكمة، وأضاف إلى ذلك كلّه الرئاسة مدى الحياة، فكانت الجمهورية مجرّد تسمية لكيان سياسي هو أقرب إلى الملكية غير الدستورية. فالدستور التونسي كان مجرّد نصّ لا يتمتّع بالاحترام والقدسية، ولم يكن الرئيس بورقيبة يتأخّر في اختراق روحه ومبادئه وتطويعه أكبر قدر ممكن للبقاء في السلطة، فدام حكمه 30 سنة. وسار في النهج نفسه الرئيس بن علي، بأن جعل من الدستور وثيقةً قابلةً للتلاعب بما يخدم رغبته في السلطة، التي استمرّ فيها ربع قرن، وهو صاحب المقولة الشهيرة "لا رئاسة مدى الحياة بعد اليوم"، إلى أن أزاحته الثورة التونسية يوم 14 يناير 2011.

ولم يختلف دستور 25 يوليو (2022) عن ذلك المسار التاريخي الحافل بترسيخ الاستبداد والحكم الفردي، فقد مُنح الرئيس سعيّد بموجب ذلك الدستور مطلق السلطات، وجُعل منه الحاكم الوحيد الأوحد في تونس، لا يشاركه أحد في وضع السياسات والاستراتيجيات وفي تعيين الوزراء والحكومات، ولا يراقبه أيّ كان، ولا يُساءل عن أفعاله واختياراته وسياساته في أثناء ممارسة وظائفه وبعد انتهاء مهامّه، وذلك بمقتضى الفصل 110 من الدستور. فهو لا يذهب إلى البرلمان إلّا لأداء القسم وحلف اليمين في أوّل كلّ عهدة رئاسية يتولّاها.

استبدل سعيّد بالمقاربة الديمقراطية التعدّدية مقاربةً أمنيةً تقوم على مراقبة الدولة والمجتمع

ويواجه الرئيس سعيّد تحدّياً وإحراجاً سيبرزان بوضوح بعد نهاية ولايته الثانية سنة 2029، ولا يُعرف ما إذا كان سيستجيب لمناشدات أنصاره بالترشُّح لولاية رئاسية ثالثة، مخترقاً دستور 2014 ودستور 2022، أم أنّه سيحترم كلا الدستورَين، خاصّة الدستور الذي خطّه بيمينه، ويكتفي بفترتَين رئاسيّتَين فقط.

يرى بعض أنصار النظام الرئاسي أنّه قادر على تأمين الاستقرار السياسي، الأمر الذي يفتقده النظام البرلماني، لكنّ هذه الشريحة تتجاهل حقيقة ذلك النظام في نسخته التونسية، في أنّه استنساخ لنظام ملكي عتيق وبائد ومطلق، جعل من تونس حديقة خلفية لحكّامه وأسرهم وحزبهم الواحد وأنصارهم ومواليهم. لا يؤمّن النظام البرلماني الاستقرار السياسي الكافي للحكومات، لكنّه يحظى بقدرات مميّزة على تأمين تمثيلية شعبية حقيقية وعالية المستوى، وهو أقلّ تورّطاً في قمع السياسيين والمعارضين والإعلاميين والزجّ بهم في السجون، وتحويل حياتهم وحياة أسرهم إلى كوابيس ومآسٍ، كما فعل بهم النظام الرئاسي في تونس. فهذا النظام جعل من الاستبداد أصل كلّ فساد، كما يقول الكواكبي، ورسّخ مفهوم السلطة المطلقة فتحوّلت إلى مفسَدة مطلقة.

تحتاج النُّخبة الفكرية والسياسية التونسية إلى الشجاعة والجرأة لتحميل النظام الرئاسي في تونس المسؤولية عمّا أصاب الحياة السياسية من أسقام ومعضلات وعقم حال دون تطوّرها، مردّها إلى الطبيعة الاستبدادية للنظام الرئاسي على مدى أكثر من 60 سنة متّصلةً ومنفصلةً، بعد أن استبدل بالمقاربة الديمقراطية التعدّدية، القائمة على حقّ تأسيس الأحزاب واعتمادها في الضبط الاجتماعي والسياسي، وعلى قيمة الحرية، مقاربةً أمنيةً تقوم على مراقبة الدولة للمجتمع والاستخبار عن قواه الحيّة المدنية والسياسية ونُخبه الفكرية، والنظر إليه بوصفه كياناً قاصراً لا بدّ من مراقبته وحمايته من نُخبه وطلائعه وقياداته التي يفرزها في كلّ مرحلة تاريخية، فجعلت من التخلّف وعدم القدرة على مواكبة التقدّم والتطوّر المعاصرَين سمة المجتمع الرئيسة.

سالم الابيض

العربي الجديد

شارك هذا المقال: