تعتنق، حقاً وبعمق، مبادئ الديمقراطية والمساواة؛ مثلما راجت الفلسفة التي ترى الاستثناء في ما تتمتّع به أمريكا من «هبة»، مسلحة بالقوّة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، تمنح الحقّ وتفرض الواجب للقيام بأيّ فعل على نطاق العالم.
ولأنّ مقام هذه السطور لا يسمح بالذهاب أبعد في تلمّس ظواهر اليسار الأمريكي، تاريخياً وراهناً، على غرار عرض موقع الفلسفة الماركسية في المشهد الأمريكي العام، سياسياً وفكرياً واجتماعياً، ثمّ على أصعد عمالية ونقابية أيضاً؛ فإنّ مناقشة ظواهر صعود «التقدميين» في المنافسات الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي تستوجب طرازاً من التأطير الملموس، الأضيق أيضاً من حيث تعميم المغزى واستخلاص الدروس. ثمة نجاحات لا ريب فيها، لا تغيب عنها في الآن ذاته أنماط من القصور في استيعاب، وبالتالي اعتماد، مناورات تكتيكية صائبة من داخل منظومات الديمقراطية الأمريكية ذاتها، بمحاسنها ومساوئها معاً.
وهكذا فإنّ سؤال العنوان في هذه السطور، بصدد التساؤل عن أيّ يسار لأيّ الطبقات في أمريكا، قد يستوجب استبعاد إجابات تقليدية منتظَرة تضرب صفحاً عن التعقيد الهائل الذي تتسم به منظومات العمل السياسي في الولايات المتحدة؛ حتى إذا كان مشهد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الصارخ، الذي شدد عليه ساندرز في مقالته، لا يحتاج إلى تنظير لجهة أبعاده الطبقية، الفعلية والواقعية والمنظورة والمحسوسة. ولكن لأنّ اقتفاء العدل الاجتماعي هو الأصل في اليسار، أيّ يسار في الواقع، من منظور مادي وتاريخي جدلي؛ فإنّ السؤال قد يُخلّص، تلقائياً، من وطأة التعيين والإفراد والتمييز، حيث لا شرط لوجود «بروليتاريا» أمريكية حتى يندلع صراع طبقي، توافقي أو تناحري، خفيف أو متوسط أو طاحن…
الأمر الذي يتيح للافتة مثل «لا يسمّونها صراع طبقات إلا حين نناضل من أجل حقوقنا» أن تبدأ من الطبقة الوسطى، لتهبط منها إلى طبقات دونها، أو حتى إلى فئات؛ وعندها يُتاح لمفردة «تقدمي» أن تصبح جامعة وشاملة وموحِدة.
صبحي الجديدي
العربي الجديد

