تتواصل جهود مكافحة فيروس إيبولا في الكونغو الديمقراطية، وتحذر وكالات أممية، على رأسها منظمة الصحة العالمية، من تزايد وفيات التفشي السريع للفيروس، ومن مخاطر انتقاله إلى الدول المجاورة.
سُجلت أكثر من 5 آلاف إصابة بفيروس إيبولا في الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك 2378 وفاة، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا من أنّ العدد الحقيقي للمصابين قد يكون أعلى بكثير من الرقم المعلن. وأظهرت بيانات وزارة الصحة في الكونغو الديمقراطية، أمس الأربعاء، تماثل أكثر من ألف مريض للشفاء من بين 5021 إصابة مؤكدة، لكنّ عدد الوفيات المسجل حتى الآن يعني أنّ احتمالات الوفاة من جراء الإصابة بالمرض تبلغ 47.4%، ما يجعل التفشي الحالي هو ثاني أكبر تفشٍّ عالمي بعد التفشي الأكبر الذي شهدته دول غرب أفريقيا في الفترة من 2013 إلى 2016.
ومنذ اكتشاف أول إصابة في 15 مايو/ أيار الماضي، انتشر فيروس إيبولا أسرع بثلاث مرات تقريباً مقارنة بالتفشي الذي شهدته دول غرب أفريقيا، والذي سبَّب أكثر من 28 ألف إصابة مؤكدة، من بينها أكثر من 11,300 وفاة، معظمهم في ليبيريا وسيراليون وغينيا. وذكر معهد الصحة العامة أنّ موجة تفشي إيبولا الحالية، وهي السابعة عشرة في الكونغو، هي الأكبر في تاريخ البلاد من حيث عدد الإصابات، كما تجاوز حصيلة الوفيات المسجّلة خلال أسوأ تفشٍّ سابق للمرض في البلاد بين عامي 2018 و2020، والذي أودى بحياة 2299 شخصاً من أصل 3381 إصابة مؤكدة.
ولا تخفي منظمة الصحة العالمية خشيتها من أن يصل التفشّي الحالي في الكونغو الديمقراطية إلى مستويات غير مسبوقة، إذ شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من موجة الوباء إصابات ووفيات أعلى بعدة أضعاف مقارنة بالأشهر الثلاثة الأولى من موجة التفشي في دول غرب أفريقيا السابقة. وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريوسوس، أول أمس الثلاثاء، إن التفشي "انتشر بسرعة، ولا يزال خطر انتشاره على الصعيدين المحلي والدولي مرتفعاً. يجب أن نكون صريحين. الوباء أبعد عن أن يكون تحت السيطرة. لقد سبَقَنا بفارق كبير، وما زلنا نحاول اللحاق به".
وينتقل فيروس إيبولا عن طريق ملامسة سوائل الجسم، ويسبّب حمّى نزفية قد تكون فتّاكة، ويعود سبب توسع التفشّي الحالي إلى سلالة بونديبوغيو التي لا توجد لها لقاحات أو علاج معتمد، ما أعاق جهود مكافحة المرض وتقليص عدد الإصابات بسرعة أو التعامل معها.
وفي نهاية يوليو/تموز الماضي، أعلنت مختبرات "هيلمان" التي تتّخذ من سنغافورة مقرّاً لها، أنّها تعمل على تطوير لقاح مضاد لسلالة بونديبوغيو. واعتبرت منظمة الصحة العالمية أنّ مشروع هذا اللقاح هو "الأكثر ترجيحاً للنجاح"، في إطار احتواء الوباء. وكشف "تحالف ابتكارات التأهب الوبائي"، المعروف اختصاراً باسم "سيبي"، عن تمويل مختبرات "هيلمان" من أجل تطوير وإنتاج جرعات لقاح مضاد لفيروس إيبولا من السلالة "بونديبوغيو".
وأعلنت منظمة الصحة العالمية بدء عمل مختبر متنقّل عند الحدود الأوغندية ــ الكونغولية، تحديداً في كاسيني التي تُعَدّ نقطة عبور استراتيجية بين البلدَين، حيث تفاقم حركة السكان النشطة مخاطر تفشّي الوباء. ويوفّر المختبر نتائج اختبارات إيبولا في غضون ساعة تقريباً، الأمر الذي يقلّل من تأخير التشخيص المنقذ للحياة. وقبل اعتماد هذا المختبر المتنقّل، كانت العيّنات التي تؤخذ من الأشخاص تُنقَل لمسافة 55 كيلومتراً إلى مدينة بونيا، عاصمة إقليم إيتوري، عبر طرقات وعرة، وكان تأكيد أيّ حالة مشتبه بإصابتها يستغرق نحو خمس ساعات.
وكشف مدير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا، جان كاسيا، خلال مؤتمر صحافي، الأسبوع الماضي، أنّ الدراسات تشير إلى أن "التفشّي ربما يكون بدأ في فبراير/ شباط الماضي، وليس لدينا علم بما حدث خلال الفترة من فبراير حتى مايو".
وعقدت لجنة الطوارئ التابعة لمنظمة الصحة العالمية، أول أمس الثلاثاء، اجتماعها الثاني منذ إعلانها في 17 مايو أن تفشّي إيبولا يشكّل "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً"، وهو ثاني أعلى مستوى إنذار لدى المنظمة. وخلال الاجتماع الطارئ بشأن تفشّي المرض، حذّر المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، من أنّ فيروس إيبولا ينتشر في الكونغو الديمقراطية بوتيرة أسرع من أيّ تفشّ سابق للمرض، ما ينذر بالانتشار في مزيد من الدول، خصوصاً المجاورة.
وتقيّم منظمة الصحة العالمية حالياً مستوى الخطر على أنه "مرتفع جدّاً" على الصعيد الوطني في الكونغو الديمقراطية، و"مرتفع" في أوغندا ودول مجاورة أخرى، و"منخفض" في بقية أنحاء أفريقيا والعالم.
وطاول الوباء مناطق عدة في شمال الكونغو وشرقها، حيث حضور الدولة ضعيف، والبنى التحتية الصحية متردية، أو شبه معدومة، فيما تنشط جماعات مسلحة منذ عقود. وسُجّلت حتى الآن إصابات في ستّ مقاطعات، من بينها مناطق قرب الحدود مع جنوب السودان، ومع أوغندا.
في مدينة بونيا عاصمة إقليم إيتوري، حيث سُجّلت معظم الإصابات، تبدو الإجراءات المتّخذة لمكافحة العدوى غير كافية. وأصدرت البلدية أوامرها للتجار بإضافة مرافق لغسل اليدَين أمام متاجرهم، غير أنّ الزبائن ما زالوا يقصدون الأسواق من دون اكتراث يُذكر بالإجراءات الوقائية.
وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا، محمد جنابي، إنّ "تفاعل المجتمع مع المرض ما زال ضعيفاً"، مضيفاً أنّ أكثر من 70% من الوفيات تقع خارج المراكز الصحية. ويشير الناشط المدني في إيتوري جان بول مالو لوتسيما إلى أنّ "الناس يفضّلون تلقّي العلاج في المنزل، ظنّاً منهم أنّهم يعانون حالة تسمّم أو مرضاً آخر غير إيبولا". وتابع أنّ "هذا ما يجعل نقل المرضى إلى المستشفى يجري في اللحظة الأخيرة، عندما تدرك العائلة أنّ الوضع يزداد سوءاً، وبعض المصابين يموتون على الطريق". ويخبر فلافييه نغوريما، أنّ شقيقه توفي قبل وصوله إلى المستشفى، ويقول: "استعنّا بممرّضة من العائلة لعلاجه في المنزل، لأنّه وأفراد الأسرة كانوا يخشون الذهاب إلى المستشفى، إذ يظن الناس أنهم سيموتون هناك".
ورغم جهود المنظمات المحلية والدولية، واجهت الاستجابة انتقادات بسبب بطئها وعدم تنظيمها، ونفّذ عاملون صحيون محليون، من بينهم ممرضات ومسؤولون عن الدفن الآمن، إضرابات أو تظاهرات في مستشفيات عدّة بإقليم إيتوري في خلال الأسابيع الأخيرة، مطالبين بصرف مكافآتهم. وحثّ المجلس الدولي للممرّضين السلطات المعنية في الكونغو على توفير الأجور والحماية المناسبة للعاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يكافحون تفشّي إيبولا.
العربي الجديد

