نظام قيس سعيّد لا علاقة له بالدكتاتورية كما تقول المعارضة. ولا علاقة له بالديمقراطية كما يقول أنصاره.
نظام قيس لم يمنع الأحزاب السياسية بقرار إداري.
ولم يمنع المظاهرات ويقمعها بقوة البوليس.
ولم يمارس البطش الواسع على السكان حتى يُصنّف دكتاتوريا.
ومع ذلك لا يمكن وصفه بكونه "نظام ديمقراطي" أولا لأن الرئيس أرسى حكما فرديا، وهمّش المؤسسات. وتهميش المؤسسات يعني آليًّا حذف السياسة بما هي إدارة وتخطيط وهندسة للنجاح وتدبير مستمرّ للمستقبل.
وثانيا اختفاء الديمقراطية لا يُقاس بعدم منع الأحزاب السياسية او بالاقتصاد في البطش. صحيح أن الأحزاب موجودة في تونس، لكنها هُمّشت وأُبعدت من المشاركة حتى في مجرد إبداء الرأي على مستوى معتمدية. وبالتالي آستُنزفت الأحزاب من داخلها وفقدت المعنى بسبب شعور أعضائها بعدم الجدوى. وحين يشعر أهل الحزب أنفسهم بعدم الجدوى، لا يعود هناك أيّ وزن لذلك الإطار النضالي. وهكذا "أفلست" الأحزاب وتآكلت تدريجيا وبصمت. وإذا كانت الديمقراطية قائمة على الأحزاب وعلى حكم المؤسسات، فمن الواضح أنه يستحيل تصنيف هذا النظام على أنه ديمقراطي، لأن الأحزاب حالها حال المؤسسات خرجت عن الخدمة.
فهل يوجد نظام لا ديمقراطي ولا ديكتاتوري؟
نعم، هنالك نظام "فردي اعتباطي"، بمعنى أن الرئيس هو المسؤول على كل شيء، ويمارس الحكم وحده، دون الاعتماد على مؤسسات توجّهه بناء على دراسات ومخططات تتبنّاه الدولة.
لكن النظام "الفردي الاعتباطي" يشكل خطرا كبيرا، لأنه يُقوّي السلطة بقدر ما يُضعف الدولة، فحين يتم تركيز القرار بيد فرد، وتُهمّش المؤسسات، ظاهريا تبدو السلطة متماسكة وشديدة الصلابة، بينما الدولة من الداخل تُنخر وتموت ببطء لأنها بصدد فقدان الدور والبوصلة.
مظهر من مظاهر هذا التعب الكبير الذي تعيشه البلاد، مشاهد العنف المُخزية التي رأيناها أمس في سبيبة. والتي تمثل مؤشّر في غاية الخطورة.

